الصفحة 44 من 160

قال: (غير اني لا اذهب إلى ما ذكره سيبويه من نحو حمق واحمق، وجرب واجرب، انهما بمعنى واحد، وان كان أصحاب المعجمات يذهبون إلى ذلك أيضا، وانما أرى ان لكل منهما معنى وقصدا، فبناء(فعِل) يختلف عن (أفعل) في جملة أمور منها انه عرض غير ثابت، وان فيه هيجا، وانه في العيوب الظاهرة) [1] .

وقد جاء هذا البناء (افعل) في نهج البلاغة بدلالته التي عرف بها كما في قول الإمام (عليه السلام) : (( فلا تنفروا من الحق نفار الصحيح من الأجرب ) ) [2] .

وردت في النص كلمة على زنة (أفعل) هي (الأجرب) ، وهي من أبنية الصفة المشبهة، ومشتقة من الفعل الثلاثي (جرب) .

المتأمل في النص يجد صورة رائعة يرسمها الإمام (عليه السلام) للحق وكيفية تعامل الناس معه، حيث يصوره بصورة الأجرب الذي ينفر منه الصحيح الذي ليس به علة، خشية ان تصيبه عدوى ذلك المرض، هكذا ينفر الناس من الحق خشية التعرض للأذى، ولا يخفى ما في كلمة الأجرب من دلالة على الثبوت، وهو ثبوت على وجه الدوام لا يطرأ عليه الحدوث، كما هي الحالة في الحق فانه ثابت لا يطرأ عليه تغيير.

وقال الإمام (عليه السلام) : (( طبيب دوّار بطبه، قد احكم مراهمه، وأحمى مواسمه، يضع ذلك حيث الحاجة إليه من قلوب عمي، وآذان صم، والسنة بكم، متبع بدوائه مواضع الغفلة ومواطن الحيرة ) ) [3] .

في النص ثلاث كلمات هي (عميٌ، وصمٌ، وبكمٌ) وهي جموع مفردها (أعمى، واصم، وابكم) على زنة (أفعل) ، وهي من أبنية الصفة المشبهة، ومشتقة من الفعل الثلاثي (عمي، وصم، وبكم) .

في هذا النص يشير الإمام (عليه السلام) إلى نفسه، حيث ذكر انه يعالج من يحتاج إليه، وهم أولو القلوب العمي، والآذان الصم، والألسنة البكم، وهذا تقسيم صحيح حاصر، لان الضلال ومخالفة الحق يكون بثلاثة أمور: أما بجهل القلب،

(1) _ معاني الأبنية: 81.

(2) _ شرح نهج البلاغة: 9/ 106.

(3) _ نفسه: 7/ 183.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت