وجاء اختيار الإمام علي (عليه السلام) وانتقاءه للألفاظ ذات الإيحاء النفسي والوقع الخاص في كثير من المواضع في نهج البلاغة، ومما يناسب المقام قوله (عليه السلام) يصف شواهد قدرة الباري عز وجل: (فمن شواهد خلقه، خلق السماوات موطَدات بلا عمد قائمات بلا سند، دعاهن فاجبن طائعات مذعنات، غير متلكئات ولا مبطئات ) ) [1] .
نلاحظ في النص جوا إيحائيا جاء نتيجة لهذا التكرار الملحوظ لصوت (الطاء) وصوت المد (الألف) الذي يوحي بجرسه الطويل إلى العظمة والسمو والارتفاع، حيث ان اجتماع هذه الأصوات في هذا السياق يعطي النص إيحاء بالخضوع والطاعة المطلقة لله جل وعلا. ولا يخفى ما في النص من سهولة في النطق نتيجة لتلاؤم ألفاظه وانسجامها.
وقال الإمام (عليه السلام) من كلام له يصف فيه الموت: (( ألا فاذكروا هادم اللذات، ومنغّص الشهوات، وقاطع الأمنيات، عند المساورة للأعمال القبيحة ) ) [2] .
وقال (عليه السلام) واصفا الموت أيضا: (( فان الموت هادم لذاتكم، ومكدّر شهواتكم، ومباعد طيّاتكم، زائر غير محبوب، وقرن غير مغلوب، وواتر غير مطلوب ) ) [3] .
يلمح في النص الاختيار الدقيق للألفاظ ذات الإيحاء النفسي المؤثر والوقع الخاص، فكل لفظة ارتبطت بدلالة إيحائية خاصة عند الفرد، من خلال جرسها الصوتي، حيث يوفر هذا التكرار الملحوظ لصوت المد (الألف) جوا موسيقيا هادئا تذعن له القلوب، وتخشع له النفوس، علاوة على تكرار صوتي (الدال) ، و (الباء)
(1) _ شرح نهج البلاغة: 10/ 81.
(2) _ نفسه: 7/ 91.
(3) _ نفسه: 13/ 205 ... .