الصفحة 81 من 160

اللذين يخدشان السمع بجرسهما القوي، هذه الأصوات مجتمعة خلقت مناخا تخييليا يحمل السامع على تصور حالة الإنسان عندما يحل به الموت، فهو كالنائم الذي أيقضه صوت شديد نقر سمعة، فجعله يستيقظ من أحلامه ويواجه الواقع.

ان انتقاء الألفاظ الموحية التي تعبر عن المعنى الذاتي والتجربة الشعورية، هو من أهم الأشياء التي تميز الفن الأدبي الناجح، فلجمال اللفظة وتقبل النفس لها علاقة وثيقة بجرسها وما تحمله من دلالة إيحائية مؤثرة [1] ، إذ ان الموسيقى اللفظية الناتجة من تموجات الأصوات ومقدار ترددها في النص، هي بلا شك افضل وسائل الانتفاع بالأصوات في فن الأدب. ولان هذا الانسجام الصوتي هو اكبر عامل في الإيحاء بذلك الجزء من العاطفة والشعور الذي لا يمكن ان تحيى التجارب الأدبية بدونه [2] ، حيث (ان الموسيقى تلازم التعبير العاطفي، وكلما ابتعد النثر عن روح العاطفة ضعف حظه الموسيقي) [3] .

ولقد جاء كلام الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة متوافرا على عاطفة مشبوبة، فالإمام في نهجه يصدر عن رؤية كونية شاملة محاورها ثلاث موضوعات لا انفصال عنها، هي الله والعالم والإنسان، وقد بدا الإمام في صياغتها منفعلا صادقا، لما انطوت عليه نفسه من معرفة حقة لهذه المحاور [4] .

يقول الأستاذ صبحي الصالح: (واما عاطفة علي فثائرة جياشة تستمد دوافعها من نفسه الغنية بالانفعالات، وعقيدته الثابتة على الحق، فما تكلم إلا وبه حاجة إلى الكلام، وما خطب إلا ولديه باعث على الخطابة، وانما تتجلى رهافة حسه في استعماله الألفاظ الحادة ... بترادف بين الفقرات وتجانس بين الأسجاع، وحرص واضح على النغم والإيقاع) [5] .

(1) _ ينظر الأسس النفسية لأساليب البلاغة: 76.

(2) _ ينظر قواعد النقد ألا دبي لاسل كرومبي: 41 ـ 42.

(3) _ النقد والبلاغة: 2/ 16 ... .

(4) _ التصوير الفني في خطب الإمام علي، عباس علي الفحام: 137.

(5) _ نهج البلاغة تحقيق د. صبحي الصالح: 16 ـ17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت