والأول) [1] ، وقال أيضا: هو (كل كلمة جزت بها ما وقعت له في وضع الواضع إلى ما لم توضع له من غير ان تستأنف فيها وضعا، لملاحظة ما تجوز بها إليه وبين اصلها الذي وضعت له في وضع واضعها) [2] .
والمجاز من احسن الوسائل البيانية التي تهدي إليها الطبيعة، لإيضاح المعنى، إذ به يخرج المعنى متصفا بصفة حسّية تكاد تعرضه على عيان السامع، لهذا شغفت العرب بالمجاز، وآثرته على الحقيقة في الاستعمال لميلها إلى الاتساع في الكلام، والى الدلالة على كثرة معاني الألفاظ، ولما فيه من الدقة في التعبير، فيحصل للنفس به سرور وأريحية [3] .
ولهذا يكاد يجمع الذين تعرضوا لدراسة الحقيقة والمجاز على ان المجاز أبدا ابلغ من الحقيقة، لما فيه من خيال وجمال وتصوير [4] . قال ابن رشيق: (المجاز في كثير من الكلام ابلغ من الحقيقة، واحسن موقعا في القلوب والأسماع) [5] ، وقال ابن الأثير: (اعلم ان المجاز أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة، لانه لو لم يكن كذلك لكانت الحقيقة التي هي الأصل أولى منه، وليس الأمر كذلك، لانه قد ثبت وتحقق ان فائدة الكلام الخطابي هو إثبات الغرض المقصود في نفس السامع بالتخييل والتصوير، حتى يكاد ينظر إليه عيانا) [6] ، وقال العلوي: (إذا عبر عن المعنى باللفظ الدال على الحقيقة حصل كمال العلم به من جميع وجوهه، وإذا عبر عنه بمجازه لم يعرف على جهة الكمال، فيحصل مع المجاز تشوق إلى تحصيل
(1) ، (2) _ أسرار البلاغة عبد القاهر الجرجاني: 325 ـ 326.
(2) _ ينظر جواهر البلاغة: 290.
(3) _ الصور البيانية: 222.
(4) _ العمدة: 1/ 178.
(5) _ المثل السائر: 1/ 136.