ففي قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور: 26] . تحدث المفسرون: هل المقصود بمن يستأذن البصير والأعمى؟ وما عدد مرات الاستئذان: هل هي ثلاثة أم أقل أم أكثر؟.
والمقصد من الاستئذان في قول الله تعالى: {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} هو كون البيوت مسكونة؛ إذ لا يأمن من يدخل عليها بغير استئذان أن يرى عورات الناس، وما لا يحل النظر إليه، أو ما لا يرغب أهل البيوت أن يراه الزائرون.
يبين الشيخ السايس طبيعة هذا الأدب وكيفيته مستندا إلى مقصد الحكم قائلا: ومن الأدب في الاستئذان أنه إذا وقف المستأذن ينتظر الإذن فلا يستقبل الباب بوجهه، بل يجعله عن يمينه أو شماله. وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر .. قالوا: لأنّ الدّور لم يكن عليها حينئذ ستور. ولكن ينبغي أن يكون الأمر كذلك في الدور الآن، ولو كانت مغلقة الأبواب عند الاستئذان، فإنّ الطارق إذا استقبلها فقد يقع نظره عند الفتح له على ما لا يجوز، أو ما يكره أهل البيت اطلاعه عليه (1) .
وهل هذا الحكم في حق البصير دون الأعمى؟ قال الشيخ السايس: وظاهر الآية أنّ الاستئذان واجب على كلّ طارق، ولو كان أعمى، وبذلك قال العلماء، لأنّ من عورات البيوت ما يدرك بالسمع، ففي دخول مكفوف البصر على أهل بيت بغير إذنهم إيذاء لهم. فأما ما رواه الشيخان من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنما جعل الاستئذان من أجل النّظر" (2) . فهو جار على الغالب، وليس الحصر فيه على"
(1) تفسير آيات الأحكام: 3/ 154 - 155. شرح الشيخ محمد علي السايس. وتحقيق طه عبد الرؤوف سعد. المكتبة الأزهرية للتراث. 2000 م، والحديث رواه أبو داود في السنن (4/ 386) ، كتاب الأدب، باب كم مرة يسلم حديث رقم (5186) .
(2) رواه مسلم في الصحيح (3/ 1698) ، كتاب الآداب، باب تحريم النظر حديث رقم (40/ 2156) ، والبخاري في الصحيح (7/ 168) ، 79 - كتاب الاستئذان، باب الاستئذان حديث رقم (6241) .