فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 61

عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وقوله تعالى (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) قالوا وهذا عموم في جميع الأشياء كلها وعضدوا هذا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - (حبس القصعة المكسورة في بيت التي كسرتها ودفع الصحيحة وقال إناء بإناء وطعام بطعام) أخرجه أبو داود، ثم قال ... لا خلاف بين العلماء أن هذه الآية أصل في المماثلة في القصاص فمن قتل بشيء قتل بمثل ما قتل به وهو قول الجمهور ما لم يقتله بفسق كاللوطية وإسقاء الخمر فيقتل بالسيف، وللشافعية قول أنه يقتل بذلك فيتخذ عودًا على تلك الصفة ويطعن به في دبره حتى يموت ويسقى عن الخمر ماءً حتى يموت، وقال ابن الماجشون إن من قتل بالنار أو بالسم لا يقتل به لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (لا يعذب بالنار إلا الله) والسم نار باطنه وذهب الجمهور إلى أنه يقتل بذلك لعموم الآية.

وأفتى شيخ الإسلام بمقتضى عموم الآية في رد سؤال ورد عليه فقال في الفتاوى 30/ 362: عن رجل أُخذ ماله ظلما بغير حق وانتهك عرضه أو نيل منه في بدنه فلم يقتص في الدنيا وعلم أن ما عند الله خير وأبقى فهل يكون عفوه عن ظالمه مسقطا لما عند الله أم نقصا له أم لا يكون، أو يكون أجره باقيا كاملا موفرا وأيما أولى مطالبة هذا الظالم والانتقام منه يوم القيامة وتعذيب الله له أو العفو عنه وقبول الحوالة على الله تعالى؟.

فأجاب: لا يكون العفو عن الظالم ولا قليله مسقطا لأجر المظلوم عند الله ولا منقصا له بل العفو عن الظالم يصير أجره على الله تعالى فإنه إذا لم يعف كان حقه على الظالم فله أن يقتص منه بقدر مظلمته وإذا عفا وأصلح فأجره على الله وأجره الذي هو على الله خير وأبقى قال تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله انه لا يحب الظالمين) فقد أخبر أن جزاء السيئة سيئة مثلها بلا عدوان وهذا هو القصاص في الدماء والأموال والأعراض ونحو ذلك ثم قال: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) .. ثم قال .. وقد قال تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) وأباح لهم سبحانه وتعالى إذا عاقبوا الظالم أن يعاقبوه بمثل ما عاقب به ثم قال: (ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) فعلم أن الصبر عن عقوبته بالمثل خير من عقوبته فكيف يكون مسقطا للأجر أو منقصا له؟ أهـ مختصرًاَ.

وإذا كانت المماثلة جائزة في حق المعتدي المسلم في القصاص فكيف بها في حق المعتدي الحربي؟، قال النووي في المهذب 2/ 186 فصل إذا قتل بالسيف لم يقتص منه إلا بالسيف لقوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) ولأن السيف أرجى الآلات فإذا قتل به واقتص بغيره أخذ فوق حقه لأن حقه في القتل، وقد قتل وعذب فإن أحرقه أو غرقه أو رماه بحجر أو رماه من شاهق أو ضربه بخشب أو حبسه ومنعه الطعام والشراب فمات فللولي أن يقتص بذلك لقوله تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) ولما روى البراء رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه) ولأن القصاص موضوع على المماثلة والمماثلة ممكنة بهذه الأسباب فجاز أن يستوفى بها القصاص وله أن يقتص منه بالسيف لأنه قد وجب له القتل والتعذيب فإذا عدل إلى السيف فقد ترك بعض حقه فجاز.

قال الشوكاني في نيل الأوطار 6/ 39: قوله تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها) وقوله تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) وقوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت