فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 61

فانظر رحمك الله إلى هذا الوعيد الشديد والخزي العظيم والوبال الأليم لمن تخلف عن الجهاد وتقاعد عنه وكره الانفاق فيه، وهذه الآيات وإن كانت نزلت في أقوام بأعيانهم فإن فيها ترهيبًا وتهديدًا لمن فعل كفعلهم وتخلف عن الجهاد الواجب كتخلفهم وناهيك في ذلك فعلًا شنيعًا ووعيدًا فظيعًا ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) رواه أبو داود بإسناد حسن.

قال المؤلف: ومعنى الحديث: أن الناس إذا تركوا الجهاد وأقبلوا على الزرع ونحوه تسلط عليهم العدو لعدم تأهبهم له واستعدادهم لنزوله ورضاهم بما هم فيه من الأسباب فأولاهم ذلًا وهوانًا لا يتخلصون منه حتى يرجعوا إلى ما هو واجب عليهم من جهاد الكفار والإغلاظ عليهم وإقامة الدين ونصرة الإسلام وأهله وإعلاء كلمة الله وإذلال الكفر وأهله.

ودلَّ قوله - صلى الله عليه وسلم - (حتى ترجعوا إلى دينكم) على أن ترك الجهاد والإعراض عنه والسكون إلى الدنيا خروج عن الدين ومفارقة له وكفى به ذنبًا وإثمًا مبينًا [1] .

فصل: أهديه للقاعدين عن الجهاد:

وهذا فصل أُهديه لمن قعد عن الجهاد وقعد من أجل دنيا ومن أجل أهل وأصحاب وزوجة وأولاد، أهديه لمن ألهته تجارته وأقعدته عن الجهاد أُهديه لمن فتنه منصبه وقصره وماله.

قال رحمه الله: [فصل: (اعلم أيها الراغب عما افترض عليه من الجهاد، الناكب عن سنن التوفيق والسداد، إنك قد تعرضت للطرد والإبعاد، وحرمت ـ والله ـ الإسعاد بنيل المراد، ليت شعري هل سبب إحجامك عن القتال، واقتحامك معارك الأبطال، وبخلك في سبيل الله بالنفس والمال، إلا طول أمل، أو خوف هجوم أجل، أو فراق محبوب من أهل ومال، أو ولد وخدم وعيال، أو أخ لك شقيق، أو قريب عليك شفيق، أو ولي كريم، أو صديق حميم، أو ازدياد من صالح الأعمال، أو حب زوجة ذات حسن وجمال، أو جاه منيع، أو منصب رفيع، أو قصر مشيد، أو ظل مديد، أو ملبس بهي، أو مأكل هني؟!! ليس غير هذا يقعدك عن الجهاد، ولا سواه يبعدك عن رب العباد، وتالله ما هذا منك أيها الأخ بجميل، ألا تسمع قوله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل) (التوبة: 38) .

اصغ لما أملي عليك من الحجج القاطعة، واستمع ما ألقي عليك من البراهين الساطعة، لتعلم أنه ما يقعدك عن الجهاد سوى الحرمان، وليس لتأخرك سبب إلا النفس والشيطان، أما سكونك إلى طول الأمل، وخوف هجوم الأجل، والاحتراز من الموت الذي لا بُدَّ من نزوله، والإشفاق من الطريق الذي لا بد من

(1) انظر مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق ومثير الغرام إلى دار السلام (في الجهاد وفضائله) لابن النحاس رحمه الله ص104.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت