سلوك سبيله، فوالله إن الإقدام لا ينقص عمر المقدمين، كما لا يزيد الإحجام عمر المستأخرين: (ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) (الأعراف: 34) ، (ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون) (المنافقون: 11) ، (كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون) (العنكبوت: 57) .
وإن للموت لسكرات أيها المفتون، وإن هول المطلع شديد ولكن لا تشعرون، وإن للقبر عذابًا لا ينجو منه إلا الصالحون، وإن فيه لسؤال الملكين الفاتنين: (يُثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين) (إبراهيم: 27) ثم بعد ذلك الخطر العظيم، إما سعيدًا فإلى النعيم المقيم، وإما شقيًا فإلى عذاب الجحيم، والشهيد أمن من جميع ذلك لا يخشى شيئًا من هذه المهالك.
وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لا يجد الشهيد من ألم القتل إلا كمسِّ القرصة) .
فما يقعدك أيها الأخ عن انتهاز هذه الفرصة، ثم تجار في القبر من العذاب، وتفوز عند الله بحسن المآب، وتأمن من فتنة السؤال، وما بعد ذلك من الشدائد والأهوال، فالشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون: فرحين بما آتاهم الله من فضله مستبشرين، أرواحهم في جوف طير خضر تسرح في عليين فكم بين هذا القتل الكريم، وبين الموت الأليم.
وإن قلت: يعوقني عن الجهاد أهلي ومالي، وأطفالي وعيالي، فقد قال الله تعالى قولًا بينًا لا يخفى:
(وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى) (سبأ: 37) ، وقال تعالى: (زُين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب) (آل عمران: 14) .
وقال تعالى: (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرًا ثم يكون حطامًا وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) (الحديد: 20) .
والآيات في مثل هذا كثيرة، والحجج واضحة منيرة.
وفي الحديث: (لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء) .
وقال - صلى الله عليه وسلم: (موضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها، وغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، وخمار جارية من أهل الجنة خير من الدنيا وما فيها) .
فكيف يصدك عن هذا الملك العظيم، أهل عن قليل يكونون في الأموات، وتمزقهم أيدي الشتات، وتفرقهم نوازل الآفات، مع ما يصدر منهم من النكد والعداوات، والأخلاق السيئات، والحقد على عرضت من حظوظهم منك للفوات، وهجرانهم إياك عند قلة المال، وتحولهم عن ودِّك عند تغير الأحوال، وأعظم من ذلك فرارهم منك في المآل، ومحاسبتهم إياك على مثاقيل الذر في موقف السؤال، حتى يود كل واحد منهم لو نجا، وحمَّلك ما عليه من الذنوب والأثقال.