صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين وقد بسطنا القول في هذه المسألة في موضع آخر أ. هـ
ومما يعلم أن مذهب الحنابلة والأظهر عند الشافعية وهو رواية عند الحنفية وصححها القدوري وهي رواية مرجوحة في مذهب مالك أن من أمر بقتل نفسه بلا سبب مشروع فهو منتحر، ولم يُعدَّ الغلام منتحرًا لأن فعله بقصد إعزاز الدين، حيث ما وجدنا على وجه الأرض إلا من أجل عبادة الله ولو كان أمر الغلام أمرًا مجردًا عن مصلحة الدين لما جاز، بل من العبث الذي سيؤاخذ عليه.
والغلام أيضًا لم يوح إليه بفعله ذلك، ولم يكن يعلم النتيجة لفعله مسبقًا، وهذا في نظري القاصر من أقوى الأدلة على جواز مسألتنا آنفة الذكر، بل من فعلَ ذلك فهو من الشهداء بمشيئة الله تعالى، ويظهر هذا في تعريف العلماء للشهيد الذي سيأتي بعد قليل
عاشرًا: من المقرر عند أهل العلم قاطبة دون استثناء، أن ليس للمسلم استبقاء نفسه بقتل غيره من المؤمنين [1] بحال من الأحوال، فكيف من استبقى نفسه بقتل المئات من المسلمين، وذلك أن المأسور إن أفشى سر المسلمين الذي فيه هلاكهم، فوازعه، ودافعه في ذلك أن يتخلص من العذاب الواقع عليه، ولا يكون ذلك إلا أن يفشي السر، ويهلك المسلمين في سبيل راحته، وهل يقول بذلك جاهل فضلًا عن عالم؟!!! لذا جاءت عبارة التاج المهذب ما يلي: ولا يجوزله أن يستفدي نفسه بقتل غيره.
ومن ذلك أن المكرهَ على القتل إذا قتل يقتل ; لأنه قتل من يكافئه ظلما استبقاء لنفسه فقتل , كما لو قتله الجماعة. وقال أبو حنيفة، وسحنون: لا يقتل , وهي عثرة من سحنون وقع فيها بأسد بن الفرات الذي تلقفها عن أصحاب أبي حنيفة بالعراق وألقاها إليه , ومن يُجَوزُ له أن يقي نفسه بأخيه المسلم , وقد قال رسول الله: (المسلم أخو المسلم لا يثلمه ولا يظلمه) . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما. قالوا: يا رسول الله ; هذا ننصره مظلوما , فكيف ننصره ظالما؟ قال: تكفه عن الظلم فذلك نصرك إياه) بدائع الصنائع للكاساني
وما قال الفقهاء ذلك إلا لعظم حرمة الدم المسلم أن يراق بهذه السهولة ففي البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما) وعند أحمد في الزهد والترمذي في سننه والنسائي كذلك وابن ماجة والبيهقي وغيرهم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا) وفي رواية (لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم) وفي رواية أخرى (قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا)
(1) قيدت بالمؤمنين لأن له قتل المرتد و الكافر ليستبقي نفسه مع الخلاف في المعاهد والمستأمن كما هو مدون في كتب الفقه ومشهور حيث بحثها الفقهاء في المضطر إذا لم يجد ما يأكله إلا طعام كافر معاهد أو مستأمن وهو في نفس ضرورة المؤمن فهل له أكل طعامه المترتب عليه موت الكافر كما بحثوها في السفينة الموشكة على الغرق ولا تنجو غالبًا إلا أن يلقى منها أحد ركابها فمع اتفاقهم في عدم جواز إلقاء المسلم إلا ما نقل عن الدسوقي المالكي عن اللخمي من جواز ذلك بالقرعة، واختلافهم المشهور في الكافر.