هذا المعنى هو الانسب ذلك ان شدة الغضب قد عبر عنها بلفظة (غضبان) ولا يؤتى بوصفٍ ثانٍ إلا لفائدة وزيادة معنى.
وورود (أسِف) في سياق الآيتين الكريمتين يعضد ما ذُكر من ان الكثرة في (فَعِل) في باب المبالغة لا ترقى الى الدوام، لأنّ (غضبان وأسفِا) قد وقعا موقع الحال، والحال أمر متغير لا ثبوت فيه، فدلتّ هاتان اللفظتان ببناءها على المبالغة في الوصف في الحال، مما يعضد ذلك ايضًا هو ان (غضبان) وصف على بناء (فعلان) وهو من ابنية الصفة المشبهّة التي تدل على المبالغة في الوصف وحدوثه بمعنى عدم ثبوته وزواله، فهذه الحال مما اعترت موسى عليه السلام اذ رجع غضبان من عصيان قومه حزينًا على فساد واحوالهم ولكنها حالة لم تلبث أن زالت قال تعالى"ولمّا سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هٌدًى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون - سورة الاعراف /154".
ووردت لفظة (فكه) ايضًا في موقع الحال وذلك في قوله تعالى (( إن الذين اجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يغامزون * وإذا انقلبوا الى أهلهم انتقلبوا فكهين - سورة المطففين /29 - 31"وهي وصف مشتق من فكه - يفكه اذا طرب ومزح [1] ، وجاء الوصف من فكه ايضًا على بناء(فاعل) (فاكه) وذلك في قوله تعالى"إن اصحاب الجنة اليوم في شغلٍ فاكهون - يس /55"وقوله تعالى"فاكهين بما آتاهم ربّهم ووقاهم ربهّم عذاب الجحيم - الطور /18"والسياق في هاتين الآيتين لا يستدعي المبالغة كما استدعاه في سورة المطففين لأن (فاكه) فيهما رسمت صورة المؤمنين وحالهم بما وعدهم الله به من نعيم الآخرة، فهم في حال طرب وسرور في تلك الجنات بما رأوا من نعيمها، أمّا السياق في سورة المطففين فانه يستدعي المبالغة في الوصف لأن الآيات في هذه السورة قد رسمت صورة المعاملة التي كان يعامل بها المشركون المؤمنين، فقد كان دأبهم الضحك منهم والتغامز عليهم كلما مروا بهم، نلمس ذلك من طبيعة تراكيب الآيات والمفردات فيها التي رسمت هذه الصورة فـ (يضحكون ويتغامزون) علىصيغة الفعل المضارع تدلّ على تجدد الفعل وتكراره، فاذا رجع المجرمون الى بيوتهم وخلصوا مع اهلهم رجعوا مسرورين فرحين"متلذذين بذكرهم والسخرية منهم" [2] ، وما حصل لهم من التلذذ والفكاهة انما كان بسبب ما بدر منهم من الضحك والاستهزاء والتغامز على المؤمنين فجاءت المبالغة في (فكهين) لتوافق المبالغة في صدور هذه الأفعال منهم."
واللفظ الثالث الذي جاء على (فَعِل) من باب (فَعِلَ - يَفْعَل) هو (نخِر) الذي ورد ذكره في موضع واحد من القرآن الكريم وهو قوله تعالى"يقولون أءنّا لمردودون في الحافرة * أءذا كُنّا"
(1) ينظر لسان العرب مادة (فكه)
(2) ينظر الكشاف 4/ 233، والبحر المحيط 8/ 435.