الصفحة 96 من 176

المبحث الثالث: دلالة المصدر على اسم الفاعل

للعرب أساليب متعددة للمبالغة، ومن هذه الأساليب أن وضعت أبنية خاصة للمبالغة وهي التي تقدم ذكرها، ومن أساليب العرب في المبالغة أن تصف بالمصدر، فقد استعملت العرب المصدر بدل المشتق كثيرًا فوصفت به لقصد المبالغة، وأشار الى ذلك أبن جنّي بقوله:"ومن تجاذب الأعراب والمعنى ما جرى من المصادر وصفًا، نحو قولك: هذا رجل دنف، وقوم رضا، ورجل عدل، فإن وصفته بالصفة الصريحة قلت: رجل دنف، وقوم مرضيون، ورجل عادل، هذا هو الأصل، وإنما انصرفت العرب عنه في بعض الأحوال إلى أن وصفت بالمصدر لأمرين: أحدهما صناعي والآخر معنوي، ... . أما المعنوي فلأنه إذا وصف بالمصدر صار الموصوف كأنه في الحقيقة مخلوق من ذلك الفعل وذلك لكثرة تعاطيه له واعتياده إياه" [1] .

ولما كان الوصف بالمصدر يفيد المبالغة فإنه يوصف به على الأصل أي مفرد مذكرًا فتقول هذا خلق الله، وهؤلاء خلق الله أي مخلوقو الله فلا تجمع ولا تؤنث [2] ، ويذكر ابن جني العلة في ذلك بقوله:"وإنما كان التذكير والإفراد أقوى من قبل أنك لما وصفت بالمصدر أردت المبالغة بذلك فكان من تمام المعنى وكماله أن تؤكد ذلك بترك التأنيث والجمع كما يجب للمصدر في أول أحواله ألا ترى أنك إذا أنثت وجمعت سلكت به مذهب الصفة الحقيقية التي لا معنى للمبالغة فيها نحو قائمة، ومنطلقة، وضاربات ومكرمات فكان ذلك يكون نقضًا للغرض أو كالنقص له، فذلك قل حتى وقع الاعتذار لما جاء منه مؤنثًا أو مجموعًا" [3] ، وقع المصدر كثيرًا في القرآن الكريم موقع المشتق (اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة) ، ويعد بناء (فعل) أكثر أبنية المصادر في القرآن الكريم ورودًا موقع (اسم الفاعل) ، نحو (سعيًا) في قوله تعالى"َإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ- سورة البقرة/260".

فالسعي مصدر سعى يسعى سعيًا وهو المشي السريع ويستعمل للجد في الأمر خيرًا كان أو شرًا [4] ، انتصب (سعيًا) في الآية على أنه حال من ضمير الطيور أي ساعيات مسرعات في طيرانهن أو في مشيهن على أرجلهن [5] ، وقيل أن (سعيًا) في موضع الحال من الكاف في يأتينك والمعنى وأنت ساعٍ إليهن أي يكون منهن اتيان إليك ومنك سعي اليهن فتلتقي بهن وعدّ أبو حيان

(1) الخصائص 3/ 259، وينظر شرح المفصل 3/ 49.

(2) ينظر أدب الكاتب 503 - 504، وفصيح ثعلب 41.

(3) الخصائص 2/ 207.

(4) ينظر المفردات 232، واللسان مادة (سعى) .

(5) ينظر الكشاف 1/ 310.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت