الوجه الأول هو الأظهر [1] ، وما ذهب اليه ابو حيان هو الراجح عندي لأن الموضع موضع اعجاز فالحديث في القدرة على الاحياء بعد الموت، والطيور وهن في حالتهن هذه من التمزيق ومجيئهن سعيًا ادل على القدرة في الاحياء لأنهن اجزاء متفرقة وكل جزء منهن على جبل وللدلالة على السرعة في العدو وهو دليل الاحياء بعد الموت جيء بالمصدر بدل اسم الفاعل لما في الوصف بالمصدر من المبالغة أكثر من المشتق.
وورد المصدر (صفًا) ايضًا موضع المشتق في قوله تعالى"إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ - سورة الصف/4"وهو مصدر صف القوم يصفهم صفًا، وهو في الآية منصوب على الحال أي صافين أنفسهم أو مصفوفين [2] . ونلاحظ ان لفظ المصدر هنا أنسب من المشتق في رسم صورة الثبات والتراص الذي عليه هؤلاء المقاتلين، فالمصدر جعل من الآية صورة محسوسة فلا فرجة ولا خلل بينهم قد رص بعضهم الى بعض ولذا قال تعالى فيما بعد (كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) وفي ذلك اشارة الى"استواء نياتهم في الثبات حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص" [3] ، ونحو (غورا) في قوله تعالى"قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ - سورة الملك/30"وأصل الغور ذهاب الماء في الأرض مصدر غار الماء إذا ذهب في الأرض [4] ، والأخبار به عن أسم أصبح (ماؤكم) من باب الوصف بالمصدر للمبالغة والمعنى غائرًا [5] ، ونلاحظ أن المبالغة في (غورا) بورود المصدر بدل المشتق (أسم الفاعل) غائرًا قد قابلت المبالغة في (معين) في الاستفهام الإنكاري في قوله تعالى (فمن يأتيكم بماء معين) ، فالمعين: فعيل من المعن وهو الجريان أي ماءٍ جارٍ ظاهرٍ على وجه الأرض [6] يمكن الحصول عليه بيسرٍ وسهولة لا غائرٍ في الأرض.
ومن أبنية المصادر الثلاثية التي وصف بها للمبالغة بناء (فعل) نحو (مرح) في قوله تعالى"وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا - سورة الاسراء/37، لقمان/18"يقال مرح - يمرح مرحا فهو مرح [7] ، قال
الزمخشري:" (مرحا) حال، أي: ذا مرح، وقريء (مرحا) وفضل الأخفش المصدر على اسم الفاعل لما فيه من التأكيد" [8] ، يريد باسم الفاعل بناء الصفة المشبهة (مرح) فهو أيضًا يطلق عليه
(1) ينظر البحر المحيط 2/ 300 - 301.
(2) ينظر البحر المحيط 8/ 261.
(3) نفسه.
(4) ينظر اللسان مادة (غور) .
(5) ينظر التفسير الكبير 26/ 137.
(6) ينظر التبيان في تفسير القرآن 7/ 373، والكشاف 3/ 190، والبحر المحيط 6/ 394.
(7) ينظر اللسان مادة (مرح) .
(8) الكشاف 2/ 667.