الصفحة 103 من 146

وبهذا تعاظمت البلوى، واشتدت المحن، وبلغ الاضطهاد منها، وسمت هذه الأحوال، حتى صارت مسألة خلق القرآن حديث كل الناس من أفراد الرعية في الدولة، وهم بين مادح ومثنى على من وقعت عليهم المحن وأصيب بشرورها ومترحم على شهدائها، وبين منكر تصرف الدولة في ذلك. للقسوة التي استعملتها والاصطهاد الذي قامت به بل صارت هزلًا يتندر بها البعض. ومن ذلك ما يروى أن عبادة المضحك دخل يومًا على الواثق فقال: يا أمير المؤمنين أعظم الله أجرك في القرآن؟ فقال: ويلك القرآن يموت، قال: يا أمير المؤمنين كل مخلوق يموت، بالله يا أمير المؤمنين بم يصلي الناس التراويح فضحك الواثق وقال: قاتلك الله أمسك.

ولما وصل الحال إلى هذا الحد، خفف الواثق من غلوائه .. ورفع كل اضطهاد جديد بشأن ذلك. ولكن أمر تبني المسألة هذه، لا زال باقيًا في الدولة، وكان ذلك في أواخر حياته، وقد روي أن سبب هذا التخفيف يعود إلى سماعه تلك المناقشة التي يحدثنا عنها صاحب النجوم الزاهرة وغيره [1] ..

أشخص شيخ من أذنه إلى الواثق فأمره أن يناظر أحمد بن دؤاد في هذا الموضوع. قال الشيخ: يا أحمد خبرني عن مقالتك هذه، أهي واجبة داخلة في عقد الدين، فلا يكون الدين كاملًا حتى يقال فيه ما قلت؟ فقال أحمد نعم: قال الشيخ، أخبرني عن رسول الله حين بعثه الله هل ستر شيئًا مما أمر به؟ لم يرد أحمد عليه، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين هذه واحدة. فقال الواثق واحدة. ثم قال الشيخ: أخبرني عن الله حين قال (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) [2] أكان الله وهو الصادق في إكمال دينه أم أنت الصادق في نقصانه؟ حتى تقال مقالتك؟ فسكت ابن أبي دؤاد فقال الشيخ اثنتان فقال الواثق نعم: ثم قال الشيخ، عن مقالتك هذه أعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم جهلها؟ فقال ابن أبي دؤاد علمهما. فقال الشيخ: فدعا الناس إليها؟ فسكت. فقال الشيخ يا أمير المؤمنين ثلاث فقال الواثق: نعم.

ثم قال الشيخ، فاتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن علمها أن يمسك عنها ولم يطالب أمته بها. فقال ابن أبي دؤاد نعم. فقال الشيخ واتسع لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ذلك فقال نعم. فقال الشيخ: أفلا وسعك ما وسعه ووسع الخلفاء بعده؟

وفي رواية للدميري في كتاب حياة الحيوان، شيء لم يدع إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي تدعو أنت الناس إليه، ليس يخلو أن تقول علموه أو جهلوه فإن قلت علموه وسكتوا وسعني وإياك من السكوت وأوسع القوم. وإن قلت جهلوه وعلمته أنت فيا لكع بن لكع يجهل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون رضي الله عنهم شيئًا وأنت تعلمه ..

بهذا انتهت المناقشة فأمر الواثق بإطلاق سراح الشيخ الأدنى في الحال، ذلك من أسباب التخفيف ولكن التبني في الدولة كما ذكرنا لم يرفع وإن رفع الاضطهاد وإنزال المحن بالمخالفين.

وما أن تولى المتوكل الحكم في الدولة بعد الواثق ومضت على حكمه سنتان [3] وهو يرى ما جر هذا التبني من سوء على الأمة والدولة معًا. فأمر بإلغاء هذا التبني وهدد بإنزال العقاب بمن يتحدث في هذه المسألة، وفك المسجونين، وأكرم المتضررين وبذلك انتهت المحنة إلى غير رجعة.

قال السبكي: وقد طال أمر الفتنة وطال شرها واستمر من سنة ثمان عشرة ومائتين 218هـ إلى سنة أربع وثلاثين ومائتين 234هـ فرفعها المتوكل في مجلسه ونهى عن القول بخلق القرآن وكتب بذلك إلى الآفاق [4] .

(1) [ص691 جـ1 النجوم الزاهرة. و347 تاريخ الخلفاء للسيوطي و266 الطبقات للسبكي] .

(2) آية 3 من سورة المائدة.

(3) [تولى المتوكل الحكم سنة 232هـ] .

(4) [ص143 الطبقات للسبكي.

توفي الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله سنة 241هـ وله من العمر 77 سنة.

الخروج على الحاكم بالثورة المسلحة قضية شدد الإسلام فيها وأحاطها العلماء بالعناية اللازمة، من البحث والدراسة لما يحدث من نتائج سيئة بالغة الخطورة على كيان الدولة ووحدة الأمة.

وصفوة القول فيها: أن الإسلام لم يجز الخروج على الحاكم لمجرد إساءة يرتكبها أو مظالم يفعلها في البلاد:

فمعالجة هذه الناحية تكون بالموعظة والمناقشة والإنكار بإثارة روح الامتعاض عند الأمة ضد مظالمه وسيئاته إذا أصر على تلك المظالم والإساءات بحيث لا تبلغ حد الخروج عليه.

أما إذا تعدى الحاكم فعل السيئات وارتكاب المظالم فنشر الكفر البواح وقام بأفعال الكافرين فأحل ما حرم الله وحرم ما أحل الله. فمعالجة هذه تكون بطريقتين تنفذ بالتتابع.

الأولى: مناقشته من قبل علماء الأمة وذوي الرأي فيها لعل شبهة دفعته إلى عمل ما وإن أصر بعد إزالة الشبهة واستكبر ولم تكن له أذن واعية فهنا تنفذ الطريقة الثانية وهي وجوب الخروج عليه ومنابذته بالسيف لأنه يصبح حينئذ مرتدًا خارجًا من حضيرة الإسلام ومثله لا يصح شرعًا أن يكون حاكمًا على الأمة الإسلامية. والدليل الشرعي على ذلك فقد روى البخاري عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعنا. فقال فيما أخذ علينا أن بايعناه على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان).

قال العيني في عمدة القارئ شارح صحيح البخاري جـ24 ص178 وما بعدها.

(هذا الحديث أخرجه مسلم من المغازي عن أحمد بن عبد الرحمن ... وقوله إلا أن تروا كفرًا بواحًا بايعنا قائلًا ألا تروا منهم منكرًا محققًا تعلمونه في قواعد الإسلام، إذ عند ذلك تجوز منازعتهم بالإنكار عليهم، والمراد من النزاع القتال. قوله بواحًا أي ظاهرًا باديًا من قولهم باح بالشيء يبوح به بوحًا وبواحًا إذا أذاعه وأظهره قوله(برهان) إلى نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل أهـ).

والذي عليه جمهور العلماء أن حكام الجور من الذين فعلوا الكفر البواح الصراح وهو الفعل أو الرأي المخالف لنصوص الكتاب والسنة القطعيتن أن قدر المسلمون على خلعهم بغير قتال ومنازعة حربية كان هذا السبيل هو الأفضل حفظًا من إراقة دم معصوم أو سلب مال أو انتهاك عرض وإذا لم يقدروا من التخلص من هؤلاء الحكام إلا بالقتال، فيجب القتال والخروج عليهم ومنازعتهم، ولو أدى إلى قتله ونحوه و (قالوا يجب الخروج على الحاكم الكافر) .

لأن ظهور الكفر أعز عند الله وأكرم من الدماء والأموال إذ بإزالته وتنصيب غيره من الرجال العدول يقام الشرع وتنفذ أحكام الإسلام.

ولأن الحاكم إذا عمل الكفر وأصر عليه كان مرتدًا ومن أصبح مرتدًا لا يجوز أن يبقى لحظة واحدة يحكم المسلمين.

ولأن ظهور الكفر في البلاد وطغيانها على أحكام الإسلام تجعل هذه البلاد دار كفر ومتى أصبحت ذلك يحرم على المسلمين أن يبيتوا فيها ليلتين لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لمؤمن أن يبيت ليلتين في دار الكفر) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت