الصفحة 102 من 146

(لا تجمعن إليك أحدًا ولا تساكني في بلد أنا فيه) .

فأفام الإمام أحمد في داره لا يخرج إلى صلاة ولا يشهد جنازة ولا يلقي درسًا، حتى مات الواثق، أليس في ذلك محنة له؟؟ ...

أما قرناء الإمام أحمد فقد أنزل بهم الواثق أشكال المحن. فهذا أحمد بن نصر الخزاعي، قد تأثر بسلوك الإمام أحمد فحقد أشد الحقد على الدولة وأخذ يلمزها في دروسه ويعلن بصراحة اعتقاده الذي هو اعتقاد الإمام ابن حنبل.

قال المقريزي وغيره: فأما أحمد بن نصر فكان من أهل الدين والصلاح والأمارين بالمعروف ... دعاه الواثق إلى القول بخلق القرآن فأبى، فأمر بضرب عنقه فضرب. وحمل رأسه إلى بغداد فنصب في الجانب الشرقي أياما. ومثلها في الجانب الغربي. أما جسده فصلب بسر من رأى (مدينة سامراء) وفي رواية أخرى: وامتحنه الواثق بالقرآن فأبى أن يقول إنه مخلوق وشتمه الواثق فرد عليه. فضرب عنقه وصلب بسر من رأى ووجه برأسه فنصب ببغداد [1]

فهل هناك فظاعة في القتل وتمثيل في الجسم أشد من ذلك وأعظم؟

وحين سمع ذلك الإمام أحمد قال: رحم الله أحمد بن نصر ما كان أسخاه لقد جاد بنفسه!

وهذا نعيم بن حماد وكان رحمه الله من كبار علماء مصر، مشهورًا بالصدق وغزارة المعرفة، ناطقا بالحق، جريئًا في دحض الباطل، لذا فقد أعلن صحة المعتقد في مسألة خلق القرآن، مخطّئًا الدولة فيما ذهبت إليه.

قال المقريزي في المقضي: (وأما نعيم بن حماد فكان من أهل مرو طلب الحديث بالحجاز والعراق. ثم نزل مصر، ثم أشخص منها في خلافة الواثق، وسئل عن القرآن فلم يوافقهم على ما أرادوا منه، يعني القول بخلقه فحبس حتى مات) [2] .

وهذا أبو يعقوب البويطي، تلميذ الإمام الشافعي الذي تولى خلفه درسه بعد موته. وكان الربيع بن سليمان من أقران البويطي، فقد حكي عنه: (لقد رأيت البويطي مصفدًا في أغلاله وسمعته يقول: والله لأموتن في حديدي هذا حتى يأتي من بعدي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم، ولئن دخلت عليه(يعني الواثق) لأصدقنه، فمات في السجن) [3] .

وهكذا أنزلت المحنة بأقران أحمد من فضلاء الأمة وعلماء دينها، وجيء بهم مصفدين في الأغلال من أرجاء الدولة إلى الواثق، ليأخذوا نصيبهم من هذه المحنة حتى أن عوام الأمة من الذين اتبعوا أئمتهم واعتقدوا رأيهم، ولم ينجوا من هذه المحنة.

وذلك أن أسارى المسلمين الذين وقعوا في أيدي البيزنطيين. رأت الدولة بأمر الواثق أن تفاديهم وتفك أسرهم. ولكن مَنْ مِن هؤلاء الأسارى تخلص من هذا الأسر ونجا من عذاب الروم وهو بين أيدي العلوج أسير؟؟.

هذا ما يحدثنا به المسعودي.

(وحضر هذا الفداء مع خاقان رجل يكنى أبا رملة. من قبل أحمد بن أبي دؤاد قاضي القضاة يمتحن الأسارى وقت المفاداة فمن قال منهم بخلق التلاوة فودي به وأحسن إليه -بدفع دينارين له- ومن أبى ترك بأرض الروم.

فاختار جماعة من الأسارى الرجوع إلى أرض النصرانية على القول بذلك وأبى أن يسلم الانقياد إلى ذلك فنالته محن ومهانة إلى أن تخلص [4] ... ).

(1) [ص10 المقضي للمقريزي وص346 تاريخ الخلفاء للسيوطي وص589 جـ2 تاريخ اليعقوبي] .

(2) [ص10 وما بعد المقضي وص346 تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص589 جـ2 تاريخ اليعقوبي] .

(3) [ص11 المقضي للمقريزي وص350 تاريخ الخلفاء وص132 جـ2 تاريخ أبي الفداء] .

(4) [ص161 و162 التنبيه والإشراف للمسعودي وص1351 جـ3 تاريخ الطبري و1406 الطبقات للسبكي] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت