الصفحة 101 من 146

نعم كيف يشعر. وقد تعهد أبو الدن الجلاد الأحمق. أن يزهق روح إمامنا بضربات معدودات. وإن ذهب شعور عقله فإن قلبه الكبير بقي حيًا ذا حراك وشعور تامين يلهج بذكر الله.

قال الإمام (فجاؤوني بسويق فقالوا لي: اشرب وتقيأ. فقلت: لا أفطر.

ثم جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم فنودي بصلاة الظهر. فصلينا الظهر فقال ابن سماعة (قاضي المعتصم) صليت والدم يسيل من ضربك فقلت: قد صلى عمر رضي الله عنه وجرحه يثغب دمًا. فسكت ثم خلى عنه فصار إلى المنزل ووجه إليّ برجل من السجن ممن يبصر الضرب ويعالج منها. فنظر إليه فقال إنما والله لقد رأيت من ضرب ألف سوط ما رأيت ضربًا أشد من هذا لقد جر عليه من خلفه ومن قدامه. ثم أدخل ميلًا في بعض تلك الجراحات فقال لم يثقب فجعل يأتيه ويعالجه).

كل ذلك الضرب وكل هذه الجراحات وكل تلك السجون المظلمة والزنزانات الضيقة، وكل تلك القيود والأغلال ثم الركل بالأقدام وهو فاقد الشعور. وكل هذه المحنة التي ما بعدها محنة، إمامنا صابر مصابر بين صلاة وصيام. من أجل الحفاظ على عقيدة الإسلام، وحماية القرآن من القول المريب فيه. نعم، كل هذا تحمله الإمام بثبات وشجاعة ثم نسمعه يقول: والله لقد أعطيت المجهود من نفسي ولوددت أن أنجو من هذا الأمر كفافًا لا عليّ ولا لي.

وبعد هذا الضرب وبعد تلك المعالجة الطبية لجروحه، ماذا حدث لإمامنا؟ وهل انتهت محنته؟

هاج الناس وماجوا لأنهم رأوا صدق إمامهم، وازدادوا وثوقًا بصحة معتقدهم. وأن ما عليه أحمد هو الحق، وكادت أن تحدث ثورة تعصف بالمعتصم. فأدرك المعتصم ذلك، وسارع إلى قطع دابرها بهذه الحيلة الماكرة.

قال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول: دعا المعتصم إسحاق عم أحمد بن حنبل، ثم قال للناس: تعرفونه؟ قالوا: نعم، فانظروا إليه ثم قال لإسحاق: أليس صحيح البدن -ويشير بذلك إلى الإمام أحمد- فقال برأسه نعم، ولو أنه فعل ذلك لوقع شر لا يقدر على دفعه. فلما قال قد سلمته إليكم صحيح البدن هدأ الناس وسكتوا) [1] .

ولولا هذا الهياج وهذه البوادر للثورة لكان المعتصم قد أخذ باقتراح ابن أبي دؤاد وطرح إمامنا في السجن ...

يقول الإمام: (وكان ابن أبي دؤاد يحث الخليفة على حبسي ويقول له يا أمي المؤمنين احبسه فإنه فتنة. فلا يجد بدًا أن يخلي عني ولولا ذلك لكان قد حبسني وقال المعتصم لهم: ليس هذا كما وصفتم) ..

وعاد الإمام إلى بيته لا يقوى على السير مكللًا بالنص المبين، مرتديًا تاج العز والفخار. وقد أثبت للملأ أجمع أن لله تعالى رجالًا يغضبون له.

وأن للقرآن حماة يذودون عنه. وأن للدين أنصارًا يجودون بأنفسهم حين يعز الناصر ويكثر الواتر بتسلط الظلمة على رقاب الأمة.

ثم عاد الإمام إلى درسه ووعظه بعد أن التأمت جروحه وشفيت أوجاعه. وذهبت عنه وعثاء المحنة.

ولكن هل ذهبت عنه المحنة وعن قرنائه إلى غير رجعة، لا، لا.

فقد عادت إليه المحنة عندما تولى الواثق الحكم بعد المعتصم، فاستمرت المحن تصب على أقرانه من السادة العلماء.

قلنا إن الإمام أحمد عاد إلى درسه ووعظه فالتف الناس حوله، ووجدوا فيه العالم التقي والفقيه المحنك الذي ترتاح إليه النفوس، تستمع إلى وعظه القلوب وأنه إمام العصر الذي تتمثل فيه الرجولة بأسمى معانيها.

ولما علم الواثق بذلك كله. ضاق صدره فأنزل به محنة ولكنها ليست ضربًا بالسياط وحبسًا بالسجون وتضييقًا وملاحقة كما فعل أبوه المعتصم. إذ رأى أن هذا النوع من المحنة زادت إمامنا محبة عند سواء الناس وجمهرة الأمة.

ورفعت منزلته وعظم احترامه، وانتشر معتقده، وفشى فكره وكان نصيب ما تبنته الدولة وما يعتقده رئيسها التراجع والضمور. فأصدر أمره الجائر الآتي:

(1) [ص8 المقضي للمقريزي] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت