الصفحة 100 من 146

فنظر إسحاق بن إبراهيم إلى الصرة في كم قميصي. فوجه إليّ ما هذا مصرور في كم قميصك، فقلت شعر من شعر النبي صلى الله عليه وسلم. وسعى بعض القوم إلى القميص ليخرقه في وقت ما أقمت بين العقابين فقال لهم: لا تخرقوه انزعوه عنه. فظننت أنه درى عن القميص الخرق لسبب الشعر الذي كان فيه، ثم صيرت بين العقابين وشدت يدي وجيء بكرسي فوضع لي، وابن أبي دؤاد قائم على رأسه (المعتصم) والناس أجمعون قيام ممن حضر، فقال لي ممن شدني خذ نابي لخشبتين بيدك وشد عليهما، فلم أفهم ما قال: فتخلعت يدي بما شددت ولم أمسك الخشبتين.

ويقول ولده صالح"ولم يزل أبي رحمه الله يتوجع منها من الرسغ إلى أن توفي"ثم قال: للجلادين تقدموا. فنظر إلى السياط فقال ائتوا بغيرها، ثم قال تقدموا فقال لأحدهم: ادنه أوجع قطع الله يدك. فتقدم فضربني سوطين ثم تنحى -وكان الإمام يذكر كلامًا عند كل ضربة سوط، قال المقريزي في المقضى فلما ضرب (أحمد) سوطًا قال بسم الله فلما ضرب الثاني قال لا حول ولا قوة إلا بالله. فلما ضرب الثالث قال: القرآن كلام الله غير مخلوق. فلما ضرب الرابع قال: (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) [1] فضربه تسعين وعشرين سوطًا وكانت تكة سراويله قد انقطعت فنزل السراويل إلى عانته. فتلت الساعة ينتهك فرمى أبو عبد الله (إمامنا) طرفه إلى السماء وحرك شفتيه فما كان أسرع من أن بقي السراويل لم ينزل. قال ميمون:

فدخلت على أبي عبد الله بعد سبعة أيام فقلت يا أبا عبد الله رأيتك يوم ضربوك قد انحل سراويلك فرفعت طرفك إلى السماء ورأيتك تحرك شفتيك فأي شيء قلت؟ قال: اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأت به الورش إن كنت تعلم أني على صواب فلا تهتك لي سرًا).

وبعد تلك السياط الشداد وإمامنا صابر محتسب يذكر الآخرة ويرجو رحمة ربه، والناس قيام ينظرون.

قال الإمام ثم قام (المعتصم) حتى جاءني وهم يحدقون به. فقال ويحك يا أحمد تقتل نفسك. ويحك أجبني أطلق عنك بيدي. فجعل بعضهم يقول لي: ويحك إمامك على رأسك قائم، وجعل عجيف (وهو من رجاله) ينخس بقائم سيفه ويقول: تريد أن تغلب هؤلاء كلهم؟

وجعل إسحاق بن إبراهيم يقول: ويلك الخليفة على رأسك قائم، ثم يقول بعضهم يا أمير المؤمنين دمه في عنقي، ثم رجع فجلس على الكرسي، ثم قال للجلاد: ادنه شد قطع الله يدك ثم لم يزل يدعو جلادًا بعد جلاد فيضربني سوطين ويتنحى وهو يقول: شد قطع الله يدك.

ثم قال إليّ الثانية فجعل يقول: يا أحمد أجبني فجعل عبد الرحمن بن إسحاق يقول لي، من صنع بنفسه من أصحابك في هذا الأمر ما صنعت؟ هذا يحيى بن معين وهذا أبو خثيمة وابن أبي إسرائيل وجعل يعدد من أجاب، وجعل هو (المعتصم) يقول ويحك أجبني فجعلت أقول نحوًا مما كنت أقوله لهم.

في هذا البحران من الضغط والإرهاب يغفر فاه بالموت الزؤام وسيدنا الإمام صامد كالجبل الأشم. والجلادون الذين يتناوبون على ضربه بالسياط الضرب المبرح وقد بلغوا مائة وخمسين جلادًا لا يستطيعون أن يحركوه عن اعتقاده قيد أنملة.

وهنا تشتد النفوس حماقة والقلوب غيضا وأيدي الجلادين قوة فيعلن المعتصم من يقتله؟ فجاء الجلاد أبو الدن فقال: أنا، قال: المعتصم بكم تقتله؟ قال: بخمسة عشر أو عشرين فقال شد قطع الله يدك.

يقول الإمام: (ثم جعل يقول للجلاد شد قطع الله يدك. فذهب عقلي وما عقلت إلا وأنا في حجرة مطلق القيد، فقال إنسان ممن حضر. إنا كبيناك على وجهك وطرحنا على ظهرك بارية [2] ودسناك. قلت ما شعرت بذلك) .

(1) آية 51 من سورة التوبة.

(2) [البارية: الحصير] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت