"وفي اليوم الثاني دخلت على المعتصم فقال: ناظروه وكلموه، فجعلوا يتكلمون، هذا من هنا وهذا من هنا. فأرد على هذا أو هذا. فإذا جاءوا بشيء من الكلام بما ليس في كتاب الله وسنة رسوله ولا فيه خبر ولا أثر، أقول لهم: ما أدري ما هذا. فيقول: يا أمير المؤمنين إذا توجهت له الحجة علينا وثب، وإذا كلمناه بشيء يقول ما أدري ما هذا. فيقول: ناظروه. ثم قال: يا أحمد إني عليك شفيق ..."
وكان إذا انقطع الرجل (أي إذا لزمته الحجة فأفحم ولا يستطيع ردا) اعترض ابن أبي دؤاد"."
ثم يقول الإمام أحمد:"ثم أمرهم بعد ذلك بالقيام وخلا بي وبعبد الرحمن بن إسحاق، فيدور بيننا كلام كثير، ومن خلال ذلك قال: تدعو أحمد بن أبي دؤاد فأقول ذلك إليك، فيوجه فيجيء فيتكلم، فلما طال بنا المجلس قام. ورددت إلى الموضع الذي كنت فيه، وجاءني الرجلان اللذان كانا بالأمس فجعلا يتكلمان فدار بيننا كلام كثير. فلما كان وقت الإفطار جيء بالطعام على نحو مما أتِيَ به في أول ليلة فأفطروا وتعللت وجعلت رسله تأتي أحمد بن عمار (وهو الواسطة بين الإمام والمعتصم) فيمضي إليه برسالة على نحو ما كان في أول الليلة، حتى إذا كدت أن أصبح أخرجت تكتي من سراويلي فشددت بها الأقياد أحملها بها إذا توجهت إليه، فقلت لبعض من كان معي المتوكل بي: أريد خيطًا، فجاءني بخيط، فشددت به الأقياد وأعدت التكة في سراويلي، ولبستها كراهية أن يحدث شيء من أمري فأتعرى".
بقي الإمام يومين بلا طعام .. لأنه صائم فاستعد بذلك روحيًا على استعداده فكريًا. إذ قد رفض أن يأكل من طعام القوم ... لأنه في ضيافة الله.
نعم استعد لذلك روحيًا وفكريًا. للجلسة الثالثة من محاكمته، التي سيكون فيها إعطاء القرار النهائي ... ولم ينس احتياطه لعورته أن تكشف، لأنه قرر الصمود والثبات لكل ضرب أو سيف حتى يلقى العليم الخبير. أما خصومه فقد استعدوا أيضًا ولكن غير استعداده.
وجاء اليوم الثالث وتأيدت ظنون الإمام. قال الإمام: (فلما كان في اليوم الثالث أدخلت عليه(المعتصم) والقوم حضور. فجعلت أدخل من دار إلى دار. وقوم معهم السيوف، وقوم معهم السياط وغير ذلك من الزي والسلاح. وقد حشيت الدار بالجند ولم يكن في اليومين الماضيين كبير أحد من هؤلاء حتى صرت إليه. قال: ناظروه وكلموه، فعادوا بمثل مناظرتهم. فدار بيننا وبينهم كلام كثير، حتى إذا كان في الوقت الذي كان يخلو بي فيه نحاني ثم اجتمعوا وشاورهم ثم نحاهم ودعاني. فخلا بي وبعبد الرحمن بن إسحاق، فقال لي ويحك يا أحمد، أنا والله عليك شفيق وإني لأشفق عليك مثل شفقتي على هارون ابني فأجبني؟.
فقلت (يا أمير المؤمنين أعطوني شيئًا من كتاب الله وسنة رسوله) وهنا ضاقت نفس المعتصم كما ضاق لسانه عن النطق الجميل كما سيضيق عليه قبره، يوم قيامته، فأصدر أوامره الجهنمية بإنزال العقاب الذي ما بعده عقاب.
قال الإمام أحمد: (فلما ضجر(المعتصم) وطال المجلس، قال: عليك لعنة الله. لقد كنت طمعت فيك. خذوه: خلعوه ثيابه؟ اسحبوه: فأخذت فسحبت ثم قال: العقابين والسياط، فجيء بالعقابين والسياط. وقد كان صار إلى شعرتان من شعر النبي صلى الله عليه وسلم، فصررتهما في كم قميصي.