ثم قال الإمام أحمد: (ولا يزالون يكلمونني وجعل صوتي يعلو على أصواتهم. فقال لي إنسان منهم: قال الله تعالى(مَا يَاتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ) [1] أفيكون محدث إلا مخلوق؟ فقلت له: قال الله تعالى: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) [2] والذكر هو القرآن وتلك ليس فيها ألف ولا لام. فجعل ابن سماعة (وهو من قضاة المعتصم) لا يفهم ما أقول. فجعل يقول لهم ما يقول؟ فقالوا إنه يقول كذا وكذا. فقال لي إنسان منهم حديث خباب يا هذا تقرب إلى الله بما استطعت فإنك لن تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلامه. فقلت له: نعم هكذا هو) [3] .
فجعل ابن أبي دؤاد ينظر إليه ويلحظ متغيظًا عليه. فكان إذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد فتكلم. فلما قارب الزوال قال لهم: قوموا.
وهكذا انتصر الإمام عليهم بفكره وقوي حجته وخاب المبطلون؟
فالمعتصم يستمع إلى تلك المناقشة أو المحاكمة التي علا فيها صوت الحق المتمثل بحجج أحمد وبراهينه من الصباح حتى قاربت صلاة الظهر.
ثم اتبع المعتصم أسلوبًا آخر لعل به يزحزح أحمد عن إيمانه ومعتقده. يقول الإمام أحمد:"ثم احتبس (أي المعتصم) عبد الرحمن بن إسحاق فخلا بي وبعبد الرحمن، فجعل يقول لي: أما تعرف صالحًا الرشيدي؟ كان مؤدبي وكان في هذا الموضع جالسًا، وأشار إلى ناحية من الدار، فتكلم وذكر القرآن فخالفني فأمرت به فسحب ووطئ. ثم قال: ما أعرفك؟ ألم تكن تأتينا؟ فقال له عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين: أعرفه منذ ثلاثين سنة، يرى طاعتك والحج والجهاد معك [4] . وهو ملازم لمنزله. فجعل يقول (المعتصم) : والله إنه لفقيه وإنه لعالم، وما يسرني أن يكون مثله معي، يرد على أهل الملل، ولئن أجابني إلى شيء، له فيه أدنى فرج، لأطلقن عنه بيدي ولأطأن عقبه، ولأركبن إليه بجندي. ثم يلتفت إلي ويقول: ويحك يا أحمد ما تقول؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فلما طال بنا المجلس ضجر فقام فرددت إلى الموضع الذي كنت فيه".
رجع الإمام إلى سجنه الضيق وهو مقيد الأغلال مرفوع الرأس ثابت الإيمان، قوي الجنان، شاكر ربه على توفيقه إياه ونصره في تلك المناقشة وفي تلك السبيل ذات التهديد المرعب والإغراء العريض.
ثم يقول الإمام أحمد رضوان الله عليه:"ثم وجه إلي برجلين هما صاحب الشافعي (عبد الرحمن بن إسحاق) وغسان من أصحاب ابن أبي دؤاد، فيناظراني فيقيمان معي حتى إذا حضر الإفطار وجه إلينا بمائدة عليها طعام. فجعلا يأكلان وجعلت أتعلل حتى ترفع المائدة. وأقاما إلى غد، وفي خلال ذلك يجيء ابن أبي دؤاد فيقول لي: يا أحمد يقول أمير المؤمنين ما تقول؟ قلت له: أعطوني شيئًا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حتى أقول به. فقال لي ابن أبي دؤاد: والله لقد كتب اسمك في السبعة فمحوته ولقد ساءني أخذهم إياك، وإنه والله ليس السيف أنه ضرب بعد ضرب. ثم يقول لي: ما تقول؟ فأرد عليه نحوًا مما رددت عليه".
هكذا يدعي شيخ المعتزلة وهو صاحب فكرة المحنة؟ محاولة منه لإرجاع الإمام عن معتقده لينتصر مذهبه، ولكن محاولاته باءت بالفشل الذريع. ورجع ابن أبي دؤاد إلى منزله ليستعد للمناقشة في اليوم الثاني.
ثم يقول الإمام أحمد:
(1) آية 2 من سورة الأنبياء.
(2) آية 1 من سورة ص.
(3) [وحديث خباب قد مر ذكره وهو قوله صلى الله عليه وسلم (إن من كان قبلكم ينشر أحدهم بالمنشار لا يصده ذلك عن دينه) وتلك مقالة جريئة نطق بها أحد الحاضرين من العلماء فصدقه إمامنا ولعل هذا الإمام الجليل أخذ عقابه فيما بعد] .
(4) [يقصد بقوله طاعتك: طاعة بني العباس لأن المعتصم منهم] .