الصفحة 97 من 146

ولما وصلنا إلى الشط أخرجت من الزورق، فجعلت على دابة والأقياد عليّ. وما معي أحد يمسكني. فجعلت أكاد أخرّ على وجهي، حتى انتهى بي إلى الدار، فدخلت ثم عرج بي إلى حجرة فصيرت في بيت منها، وغلق عليّ الباب، وأقعد عليه رجل وذلك في جوف الليل وليس في البيت سراج) [1] . ثم ماذا فعل في تلك الزنزانة الضيقة المظلمة؟؟ وكيف كان ينهي ليله البهيم؟؟ أسمعه يقول: (فاحتجت إلى الضوء فمددت يدي أطلب شيئًا فإذا أنا بإناء فيه ماء وطست فتهيأت للصلاة فقمت أصلي) [2] .

بالصلاة قضى إمامنا أحمد ليله، وهل هناك أحب إليه من الصلاة ومن مناجاة ربه الذي يمتحن من أجل قرآنه وذكر المجيد، وكم للصلاة خشوع ولها قبول إن كانت في وقت السحر، وفي ساعات الشدة والمحن؟

وفي الصباح جرت المحاكمة الأولى للإمام على الوجه الذي يرويه هو رضي الله عنه:

(فلما أصبحت جاءني الرسول فأخذ بيدي فأدخلني الدار وإذا هو جالس(المعتصم) وابن أبي دؤاد حاضر وقد جمع أصحابه، والدار غاصة بأهلها، فلما دنوت منه، سلمت فقال ادنه ادنه، فلم يزل يدنيني حتى قربت منه ثم قال لي: اجلس، فجلست وقد أثقلتني الأقياد. فلما مكثت هنيهة، قلت، تأذن في الكلام؟ فقال: تكلم. قلت: إلام دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم (أي إلى أي شيء دعا إليه صلى الله عليه وسلم) فقال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله. فقلت أنا أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قلت: إن جدك العباس يحكي أن وفد عبد القيس، لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم بالإيمان بالله. فقال: أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال صلى الله عليه وسلم، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا الخمس من المغنم. [3]

قال المعتصم: ما تقولون في القرآن؟ قلت له: ما تقول في علم الله؟ فسكت فجعل يكلمني هذا وهذا فأردّ على هذا وأكلم هذا. ثم قلت: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقول به ما أراده فقال ابن أبي داود: أنت تقول إلا ما في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقلت له: تأولت تأويلا، فأنت أعلم وما تأولت ما يحبس عليه ويقيد عليه، فقال ابن أبي داود هو والله يا أمير المؤمنين ضال مضل مبتدع وهؤلاء قضاتك والفقهاء، فسلهم. فقال لهم (المعتصم) ما تقولون؟ فيقولون يا أمير المؤمنين هو ضال مضل مبتدع).

تلك مقالة علماء السوء وطلاب الدنيا وعبيد أهوائهم. حينما يخاصمون قرناءهم في المعتقد، ويخالفونهم في الرأي في كل زمان.

(1) [المصدر السابق بصحائفه] .

(2) [ص148 وما بعدها الحلية لأبي نعيم وص579 جـ2 تاريخ اليعقوبي وص168 جـ2 أبو الفداء في تاريخه وص6 المقريزي و48 تاريخ الإسلام للذهبي] .

(3) أخرجه البخاري في صحيحه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت