الصفحة 96 من 146

قال إسحاق بن حنبل: فدخلت على أبي عبد الله ومعي حاجبه، فقلت: يا أبا عبد الله قد أجاب أصحابك وقد أعذرت فيما بينك وبين الله، وبقيت أنت في الحبس والضيق. فقال أبو عبد الله: يا عم، إذا أجاب العالم تقية والجاهل يجهل، متى يتبين الحق؟ قال: فأمسكت عنه. ثم قال: فذكر أبو عبد الله ما روي في التقية من الأحاديث. فقال: كيف تصنعون بحديث خباب؟ إن كان قبلكم ينشر أحدهم بالمنشار ثم لا يصده ذلك عن دينه [1] . قال: فيئسنا منه.

ثم قال: لست أبالي بالحبس، ما هو إلا ومنزلي واحد، ولا قتلا بالسيف، إنما أخاف فتنة السوط، وأخاف أن لا أصبر. فسمعه بعض أهل الحبس وهو يقول ذلك. فقال: لا عليك يا أبا عبد الله. ما هو إلا سوطان ثم لا تدري أين يقع الباقي. فلما سمع ذلك سري عنه [2] .

وذكر أبو نعيم ومثله المقريزي: (حدثنا محمد بن جعفر وعلي بن أحمد والحسين بن محمد قالوا: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو الفضل صالح بن أحمد بن حنبل قال: قال أبي رحمه الله لما كان في شهر رمضان لليلة سبع عشرة خلت منه، حولت من السجن إلى دار إسحاق بن إبراهيم(حاكم بغداد) وأنا مقيد بقيد واحد يوجه إلي في كل يوم رجلان سماهم أبي قال أبو الفضل صالح هما أحمد بن رباح وشعيب الحجام يكلماني ويناظراني فإذا أرادوا الانصراف دُعي بقيد فقيدت به، فمكثت على هذه الحالة ثلاثة أيام، وصار في أرجلي أربعة أقياد) [3] .

ثم ماذا حدث لإمامنا بعد ذلك. هذا ما يحدثنا به الإمام نفسه، فقال حاكيًا حاله:

( ... فلما كانت الليلة الرابعة بعد العشاء الآخرة وجه المعتصم ببغا -وهو رسوله- إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بحملي، فأدخلت على إسحاق، فقال: يا أحمد، إنها والله نفسك. إنه قد حلف ألا يقتلك بالسيف، وأن يضربك ضربًا بعد ضرب، وأن يلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس. أليس قد قال الله تعالى:(إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) [4] أفيكون مجعولًا إلا وهو مخلوق؟ فقلت له: قد قال الله تعالى: (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّاكُولٍ) [5] أفخلقهم؟ فقال: اذهبوا به، فأنزلت إلى شاطئ دجلة وأحدرت إلى الموضع المعروف بباب البستان، ومعي بغا الكبير ورسول من قبل إسحاق فقال بغا لمحمد المحاربي بالفارسية: ما تريدون من هذا الرجل؟ قال: يريدون أن يقول القرآن مخلوق. فقال: ما أعرف شيئًا من هذا إلا قول لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وقرابة أمير المؤمنين من رسول الله.

(1) أخرج البخاري في صحيحه عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة قلنا له ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا؟ قال (كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه. ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون) .

(2) [ص5 المقضي للمقريزي] .

(3) [ص143 الحلية لأبي نعيم.

هذا هو إيمان عوام المسلمين وهذه المقالة من الرسول التركي إن دلت على شيء فإنما تدل على التهكم].

(4) آية 3 من سورة الزخرف.

(5) آية 5 من سورة الفيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت