الصفحة 95 من 146

وفي الطريق، وقع ما حدث به المؤرخون الثقات بما هو آت، جاء في طبقات الشافعية وذكر ابن الجوزي بسنده إلى ابن جعفر الأنباري أنه قال: لما حمل أحمد إلى المأمون، أخبرت، فعبرت الفرات فإذا هو جالس فسلمت عليه، فقال: (أي أحمد بن حنبل) -يا أبا جعفر تعنيت، فقلت ليس في هذا عناء. وقلت له أنت اليوم رأس والناس يعتقدون بك. فوالله لئن أجبت إلى خلق القرآن. ليجيبن بإجابتك خلق من خلق الله. وإن أنت لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير، ومع هذا كان الرجل -يعني المأمون- إن لم يقتلك تموت ولا بد من الموت، فثق بالله ولا تجبهم إلى شيء. قال: فجعل -أحمد يبكي ويقول ما شاء الله ما شاء الله [1] وفي الطريق أيضًا.

ذكر أبو نعيم وغيره [2] أن أحمد بن غسان المكلف بإشخاص أبي حنبل إلى المأمون قال: فلما صرنا إلى (أذنه) ورحلنا منها وذلك في جوف الليل فتح لها بابها فلقينا رجل ونحن خارجون من الباب وهو داخل فقال: البشرى؟ قد مات الرجل -يعني المأمون-.

وقال أبو الفضل صالح بن أحمد بن حنبل: فصار أبي ومحمد بن نوح إلى طرطوس وجاء نعي المأمون من (البذندون) فردا في أقيادهما إلى الرقة وأخرجا من الرقة في سفينة مع قوم محبسين فلما صارا بعانات (وتسمى اليوم عانه) توفي محمد بن نوح رحمه الله تعالى وتقدم أبي فصلى عليه، ثم صار أبي إلى بغدد وهو مقيد، فمكث بالياسرية أيامًا ثم صير إلى الحبس في دار اكتريت عند دار عمارة، ثم نقل بعد ذلك إلى حبس العامة في درب الموصلية. نعم مات محمد بن نوح في الطريق. فكان شهيدًا مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم:

( ... ومن مات في سبيل الله فهو شهيد .. ) [3] فاستراح وذهب إلى ربه راضيًا مرضيًا وقد أدى الذي عليه وبقي الذي على إخوانه العلماء ..

وانتهت بذلك محنته ولكن صاحبه ابن حنبل، لا زال في المحنة منتظرًا .. (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [4] .

وفي سجن أحمد الذي طرح فيه ثمانية وعشرين شهرًا. بقي صامدًا فلم يغير رأيه ولم يبدل موقفه.

وكلما ازدادت المحنة ويلات ازداد إيمانًا وثقة بربه وبكتابه الذي يكافح من أجله.

ورغم محاولات إقناعه بالعدول عن رأيه، واستجابة أمر الدولة اتسعت المحنة واشتدت وبلغت أقصاها، رغم شفاعات الشافعين الذين قاموا بها متبرعين من أنفسهم ...

قال إسحاق بن حنبل -عم إمامنا أحمد-"كنت أتكلم مع أصحاب السلطان والقواد في خلاص أبي عبد الله، فلم يتم لي الأمر، فاستأذنت على إسحاق بن إبراهيم فدخلت عليه وكلمته. فقال لحاجبه: اذهب معه إلى ابن أخيه. ولا يكلم ابن أخيه بشيء إلا أخبرتني به".

(1) [ص146 طبقات الشافعية للسبكي] .

(2) [ص147 الحلية لأبي نعيم وص139 الطبقات للسبكي و4 المقضي للمقريزي] .

(3) أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة مرفوعًا.

(4) 23 سورة الأحزاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت