المرحلة الثالثة: وفيها اشتدت المحنة ضراوة، إذ جعل عقاب المخالفين والمعارضين الضرب بالسياط، والآسار بالأغلال والطرح بزنزانات السجون ثم إرسالهم إليه مخفورين. وأمر بتنفيذ ذلك حاكم بغداد كما جاء في كتابه الثالث إليه:
( ... فاحملهم أجمعين موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين مع من يقوم بحفظهم وحراستهم في الطريق حتى يؤديهم إلى عسكر أمير المؤمنين ويسلمهم إلى من يؤمر بتسليمهم، لينطقهم أمير المؤمنين، فإن لم يرجعوا ويتوبوا حملهم جميعًا على السيف إن شاء الله ولا قوة إلا بالله) [1] .
المرحلة الرابعة: وقد بلغ العقاب أوجه وهو الإعدام بقطع الرؤوس عن الهامات وأمر بتنفيذ هذا العقاب واليه على بغداد إسحاق بن إبراهيم، فجاء بكتابه الرابع إليه:
( .. فإن أمير المؤمنين يرى أن تستتيب من قال بمقالته، إذ كانت تلك المقالة الكفر الصراح والشرك المحض عند أمير المؤمنين، فإن تاب منها فأشهر أمره وأمسك عنه وإن أصر على شركه ودفع أن يكون القرآن مخلوقًا بكفره وإلحاده فاضرب عنقه بالسيف وابعث إلى أمير المؤمنين برأسه) [2] .
وبهذا انتهى تعيين أساليب التنفيذ، فدخلت المحنة مرحلتها الأخيرة وسارع إسحاق حاكم بغداد إلى طاعة أميره. فاجتمع بكبار علماء بغداد وكان من جملتهم إمامنا أحمد لمناقشتهم وجرى الامتحان. وكانت الأجوبة متفاوتة في الصراحة والجرأة، فمنهم الموفق بين رأيه الخاص ورأي الدولة، ومنهم المتأول، ومنهم الآخذ بقاعدة التقية؟؟ ولكن أربعة منهم في هذا المجلس ربط الله تعالى على قلوبهم فثبتهم ورضوا بحكم الله تعالى فيهم، فأعلنوا رأي الإسلام كما يعتقدونه في هذه الفكرة بوضوح متحملين كل مشقة في هذا السبيل، وهم إمامنا أحمد ومحمد بن نوح وعبيد الله القواريري، وسجادة.
عند ذاك أخذ هؤلاء الأربعة الكرام مصفدين في الأغلال وأدخلوا زنزانات السجن .. ينتظرون .. وفي اليوم التالي جيء بهم إلى حاكم بغداد لإعادة السؤال عليهم. وأعطوا فرصة الإجابة، فأجاب سجادة بما تريد الدولة، فأطلق سراحه ... ثم أتيحت لهم الفرصة الثانية، فلحق القواريري بصاحبه وبقي اثنان الله ثالثهما ابن حنبل وابن نوح رضي الله عنهما.
وسجادة والقواريري قد أخذا بالرخصة، وإمامنا وصاحبه قد أخذا بالعزيمة فكانا أفضل من أخويهما. وكان سلوكهما هو السلوك الأصح وهو الطريق الأحق وهو المفروض على أمثالهما من الأئمة الذين يهتدى بهداهم ويقتدى بهم. لأنهما رضي الله عنهما لو سلكا سبيل أخويهما. لضل الناس واعوج الطريق بهم وكان الفساد ولظن الناس -وليس لهم علم بما في الصدور- أن ذلك هو الحق وهو الذي ارتضاه أئمتهم وعلماؤهم دنيا وعقيدة.
ولذلك يقول إمامنا أحمد (إذا أجاب العلم تقية والجاهل يجهل فمتى يتبين الحق)
فحق على العلماء الرجال أن يثبتوا في المحن ويجهروا بالحق ليحفظوا على الناس دينهم. ويأمن الإسلام شر الطعن به وتكون محنهم طريقًا إلى نشره وسبيل العض عليه بالنواجذ.
وهذا ما نطق به أحمد وأقرانه. وهذا ما أراده واعتقده. وهذا ما تحقق ووقع ..
وسيجد القارئ الكريم ذلك واضحًا من خلال تفصيل هذه المحنة.
نفذ حاكم بغداد أمر الخليفة. فحمل الفقيهين على الإبل موثقين في الأغلال. ليواجهوا المأمون في طرسوس.
(1) [الطبري جـ2] .
(2) [ص1125 وما بعدها جـ2 الطبري] .