إذا أجاب العالم تقية والجاهل يجهل
فمتي يتبين الحق.
-ابن حنبل-
تبنت الدولة الإسلامية في أواخر حكم المأمون سنة 218 هـ الفكرة القائلة بخلق القرآن الكريم، واستعملت قوة سلطانها وصرامة جندها في تنفيذها. وأنزلت المحن الشداد بالمعارضين والمخالفين لها، بل والساكتين من الذين توقفوا فيها.
واستمر هذا التبني حتى حكم المعتصم والواثق إلى أن جاءت سنة 234هـ، فآن للدولة في بداية حكم المتوكل أن ترفع هذا التبني وتبطله وبذاك خلصت الأمة من شروره ومحنه.
وتبني الدولة في ذلك خاطئ حتى لو كانت الفكرة المتبناة صحيحة لأنها مما يتعلق بفروع العقيدة الإسلامية لا بأصولها.
وفروع العقيدة لا يكون فيها التبني من قبل الدولة الإسلامية وذلك بإلزام الناس بها وجبرهم على اعتناقها. ولكيلا تخرج رعيتها ما دامت هذه الفروع لا تناقض أصول العقيدة، تلك التي تجعل الفرد مسلمًا ويكون معتنقوها مسلمين، وبدون الإيمان بأصول العقيدة يكون الكفر والخروج من حضيرة الإسلام.
وكيف وأن تلك الفكرة -خلق القرآن الكريم- خاطئة وحمل الناس على اعتناقها بالقوة -قطعًا للرؤوس وضربًا بالسياط وإغلالًا بالآسار وحبسًا بالسجون -جريمة يتولى إثمها أصحابها والمنفذون لها.
ولكن هكذا رغب المأمون فسلك هذا الطريق غير المأمون!!
والذي يهمنا من محنة هذا الإمام الجليل وأقرانه الذين شاركوه فيها أن نذكر مواطن المحنة ونسجلها كما وردت في كتب الثقات من المؤرخين. أما فيما يتعلق بها ويدور في فلكها فسيكون نصيب ذكرها الإيجاز لا التفصيل.
أصحاب هذه الفكرة هم المعتزلة. والمعتزلة قالوا إن القرآن الكريم مخلوق لأن الله تعالى خلقه وأنزله على رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال جمهرة الفقهاء والمحدثين، ومنهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى بأن القرآن غير مخلوق لأنه كلام الله وكلامه غير مخلوق.
وتوقف آخرون عن بيان رأيهم في ذلك لأسباب اعتقدوا بها.
ولكن المعتزلة استطاعوا لقربهم من المأمون واستوزارهم له أن يحملوا المأمون على اعتناق فكرتهم هذه وتنفيذها بقوة سلطانه، وذلك عن طريق تبنيها من قبل الدولة.
واستمر هذا التبني إلى حكم المعتصم والواثق وبداية حكم المتوكل بوصية يوصي بها الحاضر اللاحق.
ونفذ المأمون هذه الفكرة بأربع مراحل.
المرحلة الأولى: استعمل المأمون أسلوب حرمان العلماء والفقهاء والمحدثين من وظائف الدولة وعدم قبول شهادتهم في القضاء، وذلك في حالة معارضتهم لهذه الفكرة وعدم قبولها إياها.
يوضح هذا ما جاء في كتابه الأول إلى عامله على بغداد إسحاق بن إبراهيم، وهذا نصه:
( ... فاجمع من بحضرتك من القضاة واقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين هذا إليك، فابدأ بامتحانهم فيما يقولون وتكشفهم عما يعتقدون في خلق القرآن وأحداثه، وأعلمهم أن أمير المؤمنين غير مستعين في عمله ولا واثق فيما قلده الله واستحفظ من أمور رعيته بمن لا يوثق بدينه وخلوص توحيده ويقينه وترك إثبات شهادة من لم يقر أنه مخلوق محدث، ولم يره، والامتناع عن توقيعها عنده) [1] .
المرحلة الثانية: حرمان المخالفين من أعطيات الدولة من الذين يتولون التعليم والإرشاد ويتصدون للفتوى، أمثال عفان بن مسلم، إذ يقول:
(فقال لي إسحق: إن أمير المؤمنين أمر إن لم تجبه يقطع عنك ما يجرى عليك وإن قطع عنك أمير المؤمنين قطعنا نحن أيضًا، فقلت له: قال الله تعالى(وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) فسكت عني إسحاق) [2] .
(1) [ص1112 جـ2 الطبري طبعة ليدن] .
(2) [ص13 المقضي للمقريزي] .