الصفحة 105 من 146

إن كان رفضًا حب أهل محمد فليشهد

الثقلان أني رافضي. [1]

-الشافعي-

إن تسعة من العلوية تحركوا وإني أخاف أن يخرجوا وإن هاهنا رجلًا من ولد شافع المطلبي لا أمر لي معه ولا نهي، يعمل بلسانه ما لا يقدر عليه المقاتل بسيفه [2] .

تلك هي قولة والي اليمن، من كتابه إلى الرشيد يستعديه فيه على أولئك النفر التسعة وعلى رأسهم الشافعي. وتلك بداية المحنة التي أنزلت بإمامنا الشافعي العظيم رضوان الله عليه.

إن الرواة جميعًا قد اتفقوا على أن سبب هذه المحنة هي ولاؤه لإمام الهدى سيدنا علي وأولاده رضي الله عنهم وأرضاهم، فكان هذا الولاء هو الجريمة الكبرى، وكان هذا الحب هو الخيانة العظمى، التي يجب أن يعاقب عليها الشافعي بالإعدام ضربًا بالسيف ...

وإن كان النفر التسعة قد عاقبهم الرشيد بالإعدام لمجرد التحرك لا الخروج فعلًا إن صدق الوالي بقوله فما ذنب الشافعي الذي لم يتحرك؟ ولم يشرع في الخروج؟ ولكن الأهواء إذا سيطرت على القلوب أعمتها عن رؤية الحق، وإقامة العدل.

والشيطان -نعوذ بالله من شره- إذا اتخذ إمامًا ووليًا ساق أولياءه بعصاه السحرية إلى الإجرام، ودفع أتباعه إلى الفساد في الأرض، وبطانة السوء الذين فقدوا التقوى، تجعل من البريء مجرمًا، ومن الحب والولاء .. خيانة.

إن حقيقة هذا الأمر: هي أن الإمام الشافعي، عندما كان بمكة زادها الله شرفًا، مع والدته لم يكن له عمل يعتاش به. فأشار بعض القرشيين على والي اليمن الذي مر بمكة أن يشغل الشافعي في ولايته ويستعين به في أمره هناك.

يقول الشافعي: (ولم يكن عند أمي ما تعطيني ما أتحمل به فرهنت دارًا فتحملت معه(أي مع الوالي) فلما قدمنا عملت له على عمل).

وفي عمله باليمن بمدينة نجران، أقام الحق ونشر العدل فكان شخصية إسلامية بعقليتها الرائعة ونفسيتها المستقيمة حتى شاع ذكره الطيب في بطاح مكة وأطراف نجران، ورأوا فيه مثلًا صالحًا لمن يتولى أمرًا من أمور الناس.

يقول الشافعي: (وليت بنجران وبها بنو الحارث بن عبد الله المدان وموالي ثقيف وكان الوالي إذا أتاهم صانعوه فأرادوني على ذلك فلم يجدوا عندي) [3] .

ولما لم يقبل مصانعة، ولم يداهن واليه ورئيسه، بل وقف له بالمرصاد يمنعه من أية مظلمة يريد إيقاعها بمن يتولى أمرهم، ولم يكتف إمامنا بذلك بل يحاسبه في كل أمر وينكر عليه كل سوء، وهو الذي يملك لسانًا كما يقول الوالي الغشوم الظلوم: (يعمل بلسانه ما لا يقدر عليه المقاتل بسيفه) وبهذا وحده ضاق صدر هذا الوالي وأبت نفسه إلا أن يسيء إلى الشافعي، وكيف يستطيع أن يصيبه بسوء أو يلحق به أذى، وهو قد ملك القلوب [4]

(1) ديوان الإمام الشافعي، قافية الضاد ص43.

(2) [ص22 الشافعي للأستاذ أبي زهرة وقد ذكر في الهامش أن صاحب توالي التأسيس والرازي في مناقب الشافعي ابن عبد البر في الانتقاء وصاحب معجم الأدباء قد اتفقوا على أن هذا (اتهام بالعلوية) هي سبب المحنة] .

(3) [ص21 الشافعي لأبي زهرة] .

(4) "ملك القلوب"أو"يملك القلوب"أو نحو ذلك؛ عبارة فيها نظر، رغم كثرتها عند الخطباء والوعاظ وانتشارها بين الشعراء والكتاب؛ ومن ذلك قول أبي الفتح البستي:

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم *** فطالما استعبد الإنسان إحسان

والأولى أن يقول:

أحسن إلى الناس تستعطف قلوبهم *** فطالما استعطف الإنسان إحسان

فإن القلوب، ملك علام الغيوب؛ عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) . قال أبو دواد: يعني القلب. (أخرجه أصحاب السنن) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت