فهرس الكتاب
حبًا وأسر النفوس، فدبر له أمرًا بأن أشركه مع النفر التسعة بالتهمة الخطيرة المعروفة .. التي يفتح لها الرشيد أُذنيه بل حواسه جميعًا، لينزل به عقابها الصارم.
وبهذه المكيدة يتخلص الوالي من هذا الذي وقف في طريق تنفيذ أهوائه وإشباع نزواته .. وحال دون تسلطه على رقاب الأمة .. أوثق التسعة وعاشرهم الشافعي، وصفدوا بالآسار وأيديهم مغلولة إلى أعناقهم، وساروا من اليمن السعيد متوجهين إلى بغداد لملاقاة الرشيد، بصحبة ثلة من الجند للتحقيق معهم في هذه التهمة الخطيرة؟؟ تهمة الخيانة العظمى، ليأخذ المارد الخائن نصيبه من العقاب!!
دخل العشرة على الرشيد وهم مصفدون بالأغلال، والنطع والسيف بين يديه، والجند شاكي السلاح قد أخذوا أماكنهم في قاعة المحكمة بقصر الخلافة ينتظرون إيماء الرشيد لهم، لا يعصونه في أمر ويفعلون ما يأمرون.
بهذا الجو الإرهابي الفظيع الذي ينطق بقطع الرؤوس عن أجسادها ويصرخ بأن النصر للقوي!! جرت المحاكمة فقتل التسعة رحمهم الله.
أما الشافعي: فقد أنجاه الله ونصره. وهو الضعيف الذي طلب المدد من الحي القيوم فأمده وأنقذه في ساعة عسرته واستجاب له فكان من الناجين وحيث أتاه الله من براعة اللسان وذربه وقوى الحجة ومنطقها السليم المقنع، وبما قذفه في قلب قاضي القضاة محمد بن الحسن من شفقة وطلب شفاعة وتقديم شهادة ..
قال الشافعي وهو بين النطع والسيف والموت يفغر فاه. وقد وجهت إليه التهمة.
(يا أمير المؤمنين ما تقول في رجلين أحدهما يراني أخاه والآخر يراني عبده أيهما أحب إلي. قال الرشيد الذي يراك أخاه. فقال ذلك أنت يا أمير المؤمنين إنكم ولد العباس وهم ولد علي ونحن بنو المطلب، فأنتم ولد العباس تروننا إخوانكم وهم يروننا عبيدهم) [1] .
أما شهادة قاضي القضاة وشفاعته، فقد حضر محمد بن الحسن محاكمته، وكان بين الشافعي وابن الحسن التقاء سابق في بغداد والتقاء العلماء يكون دائمًا للعلم ومدارسة الفقه وبحث في المسائل الشرعية وإدلاء كل منهم بدلوه.
فبعد أن قال الشافعي مقالته تلك. أخذ يبين أن له حظًا من العلم والفقه أنه عند ذلك قال أن محمد بن الحسن يشهد على ذلك. فسأله الرشيد فأجاب (له من العلم حظ كبير) .
ثم أتبع قائلًا (وليس الذي رفع عليه من شأنه) .
وتلك شفاعته. فقال الرشيد (فخذه إليك حتى أنظر في أمره) [2] .
وبهذا تخلص الشافعي من ذلك الاتهام الخطير، ونجا من عقوبته ..
وتلك محنة الشافعي، الأيدي مغلولة إلى الأعناق بمعية جند الرشيد من اليمن إلى بغداد، ثم الموت يقترب منه. وقد لاح بين عينيه لولا عناية الله وحسن توفيقه. السبب الحقيقي هو قيامه بالواجب الملقى عليه باعتباره عالمًا أخذ الله منه الميثاق لبيان أحكام الشرع والوقوف في وجه الظالمين الطغاة ومن ثم قيامه بعمله في نجران الذي أحسن فيه وقطع به الطريق على واليه وحال دون شهواته ونزواته.
(1) [لا شك أن إمامنا ذكر هذا من باب شرح واقع موجود اقتضت الحاجة إلى بيانه وليس هو من قبيل مدح النفس] .
(2) [ص23 الشافعي لأبي زهرة.
توفي رحمه الله سنة 204هـ وله من العمر 54 سنة.
كثير من التهم الباطلة والأراجيف الظالمة تكون سببًا لإنزال المحن ورفع الرقاب على مقاص الجلادين. وحوادث التاريخ قديمًا وحديثًا شهادة ناطقة. ولكن الحاكم المسلم الذي ولي أمر المسلمين ليقيم عليهم العدل ويحكمهم بالقسطاس المستقيم، عليه أن يحقق في تلك التهم ويكشف صدق الأراجيف من كذبها.
وإن وجد شبهة ادرأ العقوبة مصداقًا لقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم (ادرأوا الحدود بالشبهات) ].