الصفحة 111 من 146

من آثر الله على نفسه آثره الله والمخاطرة

بالنفوس مشروعة في إعزاز الدين.

-العز بن عبد السلام-

انعقد إجماع كل المصادر للسير من كتب الطبقات والتراجم التي ذكرت سلطان العلماء العز بن عبد السلام على أنه رحمه الله تعالى، اشتهر بصفة عالية سامية فوق صفات هديه وسلوكه المبارك، بل غلبت على جميع تلك الصفات هي صفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

حتى قال السبكي مفتتحًا ترجمته (القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في زمانه) [1] .

وقال الكتبي (وكان أمارًا بالمعروف نهاء عن المنكر لا يخاف في الله لومة لائم) [2] .

وقال ابن العماد الحنبلي (وهذا مع الزهد والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) [3] .

وهل يستطيع مسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر دون أن يعرف ماهيتهما وحقيقتهما ومعناهما. نوجز هذا المعنى بكلمات .. المعروف ما عرفه الشرع والمنكر ما نكره، ومن هنا جاء علمه الغزير حتى لقب بسلطان العلماء ومن كان هذا شأنه وتلك صفته لا ينجو من محن واضطهاد في حياته علمًا بأن إنكار منكر الحكام هو محاسبتهم. لذلك فقد تتابعت عليه المحن وأصابه الاضطهاد المرير.

إن الواجب الشرعي يدعونا أن نقر هنا إقرارًا متأسفين فيه، محزونين على وقوعه. هي أن المحنة الأولى التي نزلت بهذا الشيخ الجليل والمحن التي نزلت بعده على الشيخ الجليل ابن تيمية رحمهما الله تعالى، كان سببها الاختلاف الفكري في المسائل الفقهية والقضايا الكلامية المعتمدة على النصوص الظنية في ثبوتها ودلالتها، ذلك الاختلاف الذي رقي من رتبة الاختلاف الاجتهادي الذي يخطئ ويصيب صاحبه فيه، فله أجران إن أصاب، وأجر واحد إن أخطأ وهو ما يقره الإسلام، بل هو الدليل الأعظم على الحيوية الفكرية في الشريعة الإسلامية وعلى طاقة اتساعها في الأمور والمسائل، والتي أبعدت الضيق والإحراج عن الأمة الإسلامية في مختلف العصور. أقول رقي هذا الاختلاف برحمته من هذه الرتبة إلى رتبة التعصب المذهبي المقيت بشؤمه ومقته، الذي نهى عنه الإسلام، والذي أدى إلى الفتن والأذى بين المختلفين وتفسيق وتبديع بعضهم البعض مستعينين بالحكام في بعض الأحيان، لإيذاء الخصوم وإنزال المحن بالمخالفين. مما أدى إلى اضطهاد شيوخ العلماء، وإلى الاضطراب الفكري والنفسي بين الأمة، في الوقت الذي كانت الأمة الإسلامية بعلمائها وعامتها في غنى عن ذلك.

ولكن قاتل الله التعصب المذهبي المقيت ...

أعود فأقول: إن أول محنة نزلت بشيخنا الجليل كانت بفتنة الحنابلة الواقعة في زمن السلطان الأشرف بن الملك العادل الأيوبي بدمشق.

يقول الذهبي: (كان للأشراف ميل إلى المحدثين والحنابلة وفي عصره حصلت فتنة بين الحنابلة والشافعية بسبب العقائد وتعصب عز الدين بن عبد السلام على الحنابلة وجرت خبطه) [4] .

ويقول الكتبي (ولما كان في دمشق سمع من الحنابلة أذى كثيرًا رحمه الله) [5]

وكان هذا الأذى الذي أصاب شيخنا بسبب الاختلاف في مسألة كلامية ليست من أصول العقيدة الإسلامية، أن فرضت عليه الإقامة الجبرية في داره ولا يفتي أحدًا من الناس ولا يجتمع بأحد منهم [6] .

(1) [ص80 جـ5 الطبقات] .

(2) [ص95 جـ1 فوات الوفيات] .

(3) [ص302 جـ5 شذرات الذهب] .

(4) [ص284 حـ2 سيرة أعلام النبلاء] .

(5) [ص596 جـ1 فوات الوفيات] .

(6) [ص80 جـ5 طبقات الشافعية للسبكي] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت