فهرس الكتاب
وبقي الشيخ رحمه الله في هذه (الاستراحة؟) الجبرية برهة من الزمن وتحدث أهل الشام بما حل بشيخهم المفضل، وتهامس العلماء بينهم وتلاوموا على تفريطهم في نصرة الشيخ ومعتقده، حتى قيض الله من ينتصر له عند السلطان ذلك هو شيخ السادة الحنفية في زمانه الشيخ جمال الدين الحصيري رحمه الله. وهناك في دار السلطنة قال السلطان للشيخ الحصيري بعد مناقشته في المسألة:
"ونحن نستغفر الله مما جرى ونستدرك الفارط في حقه والله لأجعلنه أغنى العلماء، وأرسل إلى الشيخ واسترضاه وطلب محاللته ومخاللته".
ولما فاز السلطان باجتماعه به في مرض أصابه طالبًا محاللته قال له:"أما محاللتك فإني في كل ليلة أحالل الخلق وأبيت وليس لي عند أحد مظلمة وأرى أن يكون أجري على الله ولا يكون على الناس"..
ثم قدم له مائة دينار مصرية وهدية فردها قائلًا: (هذا اجتماعة لله لا أكدرها بشيء من الدنيا) .
وقبل هذه الاجتماعة أمر السلطان بالإمساك عن الكلام في مسألة (الكلام) وأن لا يفتي فيها أحد بشيء سدًا لباب الخصام. والسلطان الأشرف يردد (لقد غلطنا في حق ابن عبد السلام غلطة عظيمة) .
وما أن مرت السنون، وإذا بالشيخ العز يمتحن مرة أخرى لأنه أنكر على سلطان الشام وحاكم دمشق خيانته السياسية للأمة الإسلامية.
وفيما يلي موجز المحنة وسببها كما يحدثنا بها الإمام السبكي في طبقاته، والمقريزي في سلوكه [1] .
إن خلافًا نشأ واشتد، وخصامًا طفق منذرًا بالكيد والحرب بين الأخوين، سلطان الشام الملك الصالح إسماعيل، وسلطان مصر الصالح نجم الدين أيوب.
في سنة 638هـ أوجس إسماعيل خيفة من نجم الدين، فاستعان بالصليبيين أعداء الإسلام، وتحالف معهم على قتال أخيه، وأعطاهم مقابل ذلك مدينة صيدا على رواية السبكي وكذلك قلعة صفد وغيرها على رواية المقريزي وغيره، وأمعن إسماعيل في هذه الخيانة فسمح للصليبيين أن يدخلوا دمشق ويشتروا منها السلاح وآلات الحرب وما يريدون، وأثار هذا الصنيع المنكر استياء المسلمين وعلمائهم. فهب الشيخ العز واقفًا بوجه الخيانة والخائنين، وأفتى بتحريم بيع السلاح لهم. وصعد على منبر جامع الأموي بدمشق في يوم الجمعة حيث كان خطيبه الرسمي وأعلن الفتوى، وشدد في الإنكار على السلطان وفعلته المنكرة وخيانته الفظيعة للأمة الإسلامية. وقطع من الخطبة الدعاء للسلطان إسماعيل وهو بمثابة الإعلان بنزع البيعة ورفع الولاء عن السلطان يومئذ وصار يدعو بدعاء منه: (اللهم أبرم لهذه الأمة إبرام رشد تعز فيه أولياؤك وتذل فيه أعداؤك ويعمل فيه بطاعتك وينهى فيه عن معصيتك ... ) .
والمصلون يضجون بالتأمين على دعائه، ولم يكن السلطان حاضرًا تلك الخطبة إذ كان خارج دمشق، ولما أعلمه رجاله بذلك أمر بعزل الشيخ من خطبة الجمعة، واعتقاله مع صاحبه الشيخ ابن الحاجب المالكي لاشتراكه معه في هذا الإنكار.
وكان أنصار الشيخ العز قد أشاروا عليه بأن يغادر البلاد وينجو بنفسه من يد السلطان، وأعدوا له وسائل الهرب، ولكنه رحمه الله تعالى أبى ذلك وألحوا عليه، فأصر على الإباء، فعرضوا عليه أن يختبئ في مكان أمين لا يهتدي إليه السلطان ورجاله، فرفض هذا العرض أيضًا وقال (والله لا أهرب ولا أختبئ وإنما نحن في بداية الجهاد، ولم نعمل شيئًا بعد. وقد وطنت نفسي على احتمال ما ألقى في هذا السبيل. والله لا يضيع عمل الصابرين) [2] .
(1) [يراجع ص303 وما بعدها جـ1 للسلوك وص5 وما بعدها -100 الطبقات للسبكي] .
(2) [يراجع ص100 وا إسلاماه للأستاذ أحمد بكثير] .