الصفحة 113 من 146

(ثم لما قدم إسماعيل إلى دمشق أفرج عنهما بعد الاعتقال. ولكن العز بن عبد السلام أُمر بملازمة داره وأن لا يفتي ولا يجتمع بأحد البتة، فاستأذنه في صلاة الجمعة -مؤتمًا بإمامها- وأن يعير إليه طبيب أو مزين(حلاق) إذا احتاج إليهما وأن يدخل الحمام فأذن له في ذلك) ..

ومرت الأيام، والشيخ في إقامته الجبرية، وقد منع من الإفتاء والاتصال بأحد من إخوانه أو طلابه، وتعطلت هوايته المفضلة، وواجبه المقدس -الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- فطلب الهجرة من دمشق قاصدًا مصر.

وأُفرج عنه بعد محاورات ومراجعات، فأقام بدمشق ثم انتزع منها إلى بيت المقدس. فوافاه الملك الناصر داود في الفور فقطع عليه الطريق. وأخذه وأقام بنابلس مدة. وجرت له معه خطوب ثم انتقل إلى بيت المقدس حيث أقام مدة. ثم جاء الصالح إسماعيل والملك المنصور صاحب حمص وملوك الفرنج بعساكرهم وجيوشهم إلى بيت المقدس .. يقصدون الديار المصرية، فسير الصالح إسماعيل بعض خواصه إلى الشيخ بمنديله، وقال له: تدفع منديلي إلى الشيخ وتتلطف به غاية التلطف وتستنزله وتعده بالعودة إلى مناصبه على أحسن حال، فإن وافقك فتدخل به عليّ، وإن خالفك فاعتقله في خيمته إلى جانب خيمتي. فلما اجتمع الرسول بالشيخ شرع في مسايسته وملاينته ثم قال له: بينك وبين أن تعود إلى مناصبك وما كنت عليه زيادة، أن تنكسر للسلطان وتقبل يده لا غير! فقال الشيخ والله يا مسكين ما أرضاه أن يقبل يدي فضلًا عن أن أقبل يده. يا قوم أنتم في واد وأنا في واد. الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به. فقال الرسول: يا شيخ قد رسم لي أن توافق على ما يطلب منك، وإلا اعتقلتك، فقال الشيخ: افعلوا ما بدا لكم، فأخذه واعتقله في خيمة إلى جانب خيمة السلطان. وكان الشيخ يقرأ القرآن -في معتقله- والسلطان يسمعه. فقال يومًا لملوك الفرنج تسمعون هذا الشيخ الذي يقرأ القرآن؟ فقالوا نعم. قال هذا أكبر قسوس المسلمين، قد حبسته لإنكاره علي تسليمي لكم حصون المسلمين، وعزلته عن الخطابة بدمشق وعن مناصبه ثم أخرجته فجاء إلى القدس وقد جددت حبسه واعتقاله لأجلكم!! فقالت له ملوك الفرنج: (لو كان هذا قسيسنا لغسلنا رجليه وشربنا مرقتها) .

تلك إجابة الفرنج إلى السلطان الخائن التي كانت سهمًا في قلبه وإنكارًا متضمنًا لفعله، والفضل ما شهدت به الأعداء. وذلك قول السلطان العبد لأسياده الفرنج يفتخر بخيانته!!.

ثم وقعت الحرب بين الأخوين وكانت الدولة والنصر للسلطان نجم الدين أيوب على رغم قلة جيشه في العدد والعُدد بالنسبة لجيش إسماعيل وخلفائه. وتلك عاقبة الخائنين ... في كل حين.

وبذلك نجا الشيخ من أسر السلطان الخائن، ووصل إلى مصر مكرمًا معززًا، وتولى فيها منصب قاضي القضاة.

وثالثة الأثافي من محنه تعرضه للقتل بسبب أمره ببيع أمراء الدولة في المزاد العلني .. ولكن الله تعالى حفظه وخذل خصومه.

كان لمماليك الأتراك نفوذ في الدولة الإسلامية في أواخر حكم العباسيين. وامتد نفوذهم حتى أصبحوا أمراء في الدولة أيام حكم نجم الدين أيوب في مصر وكان الشيخ العز قاضيًا للقضاة فيها، وقام رضوان الله عليه، مصلحًا لأمر القضاء، منفذًا بحزم أحكام الشرع لا تأخذه في ذلك لومة لائم، فنظر في حقيقة قضية أولئك الأمراء التي أثارها هو، ثم أصدر قضاءه الآتي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت