فهرس الكتاب
قال السبكي [1] : (ذكر كائنة الشيخ مع أمراء الدولة من الأتراك ... وهم جماعة ذكروا أن الشيخ لم يثبت عنده أنهم أحرار وأن حكم الرق مستصحب عليهم لبيت مال المسلمين. فبلغهم ذلك: فعظم الخطب فيه، واحتدم الأمر، والشيخ مصمم لا يصحح لهم بيعًا ولا شراء ولا نكاحًا. وتعطلت مصالحهم بذلك. وكان من جملتهم نائب السلطنة فاشتاط غضبًا، واجتمعوا وأرسلوا إليه، فقال: نعقد لكم مجلسًا وينادي عليكم لبيت مال المسلمين، ويحصل عتقكم بطريق شرعي، فرفعوا الأمر إلى السلطان، فبعث إليه فلم يرجع، فجرت من السلطان كلمة فيها غلظة، حاصلها الإنكار على الشيخ في دخوله في هذا الأمر، وأنه لا يتعلق به. فغضب الشيخ وحمل حوائجه على حمار، وأركب عائلته على حمير أخرى، ومشى خلفهم من القاهرة قاصدًا نحو الشام، فلم يصل إلى نحو نصف بريد، حتى لحقه غالب المسلمين، لم تكد امرأة ولا صبي ولا رجل لا يؤبه له يتخلف ولا سيما العلماء والصلحاء والتجار وأنحاؤهم، فبلغ السلطان الخبر، وقيل له متى راح ذهب ملكك فركب السلطان بنفسه ولحقه واسترضاه وطيب قلبه، فرجع واتفقوا معهم على أن ينادى على الأمراء، فأرسل نائب السلطنة بالملاطفة فلم يفد فيه، فانزعج النائب فقال: كيف ينادي علينا هذا الشيخ ويبيعنا ونحن ملوك الأرض؟ والله لأضربنه بسيفي هذا، فركب بنفسه في جماعته، وجاء إلى بيت الشيخ، والسيف مسلول في يده فطرق الباب، فخرج ولد الشيخ، فرأى من نائب السلطنة ما رأى، فعاد إلى أبيه وشرح له الحال، فما اكترث لذلك ولا تغير وقال: يا ولدي أبوك أقل من أن يقتل في سبيل الله، ثم خرج كأنه قضاء الله قد نزل على نائب السلطنة فحين وقع بصره على النائب يبست يد النائب وسقط السيف منها وأرعدت مفاصله، فبكى، وسأل الشيخ أن يدعو له، وقال يا سيدي خير أي شيء تعمل؟
قال أنادي عليكم وأبيعكم: قال ففيم تصرف ثمننا؟ قال: في مصالح المسلمين، قال: من يقبضه؟ قال: أنا، فتم له ما أراد، ونادى على الأمراء واحدًا واحدًا وغالى في ثمنهم، وقبضه وصرفه في وجوه الخير. وهذا لم يسمع قبله أحد، رحمه الله ورضي عنه.
نعم لم يسمع بمثله، ولم يقع شبيه له بعد، فلله رجال، وللإسلام أنصار وللمسلمين قادة هم العلماء، وللقضاء قضاة يقيمون الحق ويحافظون على حدود الله ويقضون بالقسطاس المستقيم. لا يرهبون حاكمًا ظالمًا ولا يخشون سلطانًا جائرًا. ولكن كيف نرى خلفاءهم وهم معظم قضاة اليوم يقضون بغير ما أنزل الله ... ويدعون أنهم مسلمون.
فيا أيها العزيز مسنًا وأهلنا الضر ...
(1) [ص84 جـ5 الطبقات] .