الصفحة 115 من 146

قال ابن الحريري: (إن لم يكن ابن تيمية شيخ الإسلام فمن هو؟) [1] .

تلك شهادة عدل هو قاضي القضاة ابن الحريري رحمه الله.

حقًا إنه شيخ الإسلام، لأنه رحمه الله تعالى، كان جبلًا في العلم، إمامًا في الفقه، فقه الكتاب والسنة، مجاهدًا بقلمه ولسانه، سهمًا سلطه الله تعالى على المبتدعين وأصحاب الأهواء، فضلًا عن جهاده بنفسه وسنانه في حروب التتار والكسرويين.

وله القدح المعلى في تثبيت الأمة أيام البأساء والضراء وحين البأس، وهو في مقدمتها للذود عن كرامتها وعزها، كلما ادلهم الخطب ونزلت نازلة بالمسلمين.

يقول ابن سيد الناس [2] : ( .. إلى أن دب إليه أهل بلاده الحسد، وأكب أهل النظر منهم بما ينتقد عليه لتبديعه سهامًا، وزعموا أنه خالف طريقتهم وفرق فريقهم، فنازعهم ونازعوه، وقاطع بعضهم وقاطعوه) .

وانتهت به هذه المنازعات وتلك المقاطعات إلى المحن الشداد، تحملها صابرًا مصابرًا محتسبًا.

وإن قلنا في محنة سلطان العلماء العز بن عبد السلام أن محنته الأولى كانت بسبب الاختلاف الفكري المشوب بالتعصب المذهبي المقيت، فإن جميع محن شيخ الإسلام كانت بنفس السبب مع اختلاف موضوعية الفكر والمعتقد.

والذي يهمنا من محن شيخ الإسلام هو ذكر مواطنها مع إيجاز أسبابها، محتفظين برأينا الخاص في هذه الأسباب، لأن موضوعنا هنا ليس تحقيقًا فقهيًا ولا دراسة كلامية عقائدية، حتى نبين صحة الأسباب أو خطأها.

إلا أن الذي نود أن نؤكده ثانية، هو أن هذه الأسباب القائمة على الخلاف الفقهي والعقائدي، لم تكن من أصول الشرع ولا من أركان العقيدة الإسلامية التي يكفر منكرها أو منكر أصل منها، كما لم تكن من نصوص الشرع القطعية في ثبوتها وولاتها، التي لا اجتهاد فيها ولا خلاف.

ولما لم تكن كذلك، فليس من التصرف الصحيح، أن يستغلها المخالفون له في الرأي والاجتهاد، فيغرروا بها قلوب الحكام ويكبروها عندهم بالقدر الذي أغضبهم، فاستعملوا نفوذهم لإنزال المحن بالشيخ.

والمخالفون يعرفون، كما يعرف غيرهم، أن حكامهم يومئذ ليس لهم حظ كبير في العلم والفقه، حتى يحكموهم في هذا الخلاف، وإنما الحكام هم جنود من الأتراك، أهلتهم شجاعتهم وبسالتهم في الحروب أن يتولوا أمر المسملين حينًا من الدهر.

ولكن المخالفين له، لم يأخذوا بأقوال الأئمة المأثورة عنهم، ومن ذلك مثلًا: قولنا صواب يحتمل الخطأ، وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب. وقولهم: إذا صح الحديث فهو مذهبي واضربوا بقولي عرض الحائط. وقولهم: كل رجل يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب الروضة الشريفة. ولم يسلكوا نهج هؤلاء الأئمة من أصحاب المذاهب الإسلامية رحمهم الله تعالى، في خلافاتهم في المسائل الفقهية والأمور الكلامية مع بعضهم بل ومع أصحاب المذهب الواحد وإنما سلكوا، عفا الله عنهم، مجتهدين، غير هذا السبيل، فوقعت المحن، وذلك ما قرره شيخ الإسلام في مخالفيه، فقال:

(ولا يخلو الرجل -أي من هؤلاء المخالفين- إما أن يكون مجتهدًا أو مخطئًا أو مذنبًا، فالأول مأجور مشكور، والثاني مع أجره على الاجتهاد معفو عنه، والثالث الله يغفر لنا وله ولسائر المؤمنين) .

ومن محنه رحمه الله تعالى ما نقله صاحب الكواكب الدرية: ( ... أنه في شهر ربيع الأول سنة 698 وقع بدمشق محنة للشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية وكان الشروع فيها من أول الشهر وكان سببها ترجيحه مذهب السلف في الصفات على مذهب المتكلمين) .

هذا هو السبب للمحنة الأولى، أما مواطنها هي ورفيقاتها من المحن فقد ذكر المؤرخون لها [3] .

(1) [ص21 حياة شيخ الإسلام ابن تيمية للشيخ محمد البيطار] .

(2) [ص71 جـ1 فوات الوفيات] .

(3) [يراجع ص43 وما بعدها جـ14 تاريخ ابن كثير.

وص71 وما بعدها جـ1 فوات الوفيات].

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت