فهرس الكتاب
أنه رحمه الله تعالى، بعد أن أجاب على سؤال ورد من حماه في مسائل العقيدة، وذاع أمرها بين الناس وقف بعض علماء الشام، من ذلك: موقفًا غير حميد، إذ اتصلوا بنائب السلطان في دمشق، وحدثوه بسببها مستعظمين أمرها، حاكمين عليها بالزوغان، ومخالفة ما عليها إجماع المسلمين، فدعاهم شيخ الإسلام لعقد جلسة للمناقشة بحضور (نائب السلطنة الأقدم. وظهوره -رحمه الله- عليهم بالحجة والبرهان ورجوعهم إلى قوله طائعين ومكرهين) .
وقد تبع هذا المجلس، واستدعاؤه من قبل السلطان في مصر، لوصول أنباء الخلاف إليه وسار رحمه الله في صحبة قاضي الشافعية عقد له مجلس حين وصوله بحضور القضاة وأكابر الدولة.
وفي هذا المجلس امتنع الشيخ من التحاكم إلى زين الدين بن مخلوف قاضي المالكية، والسبب في ذلك، أن ابن مخلوف جمع بين الادعاء والقضاء في هذه القضية. فقال الشيخ:
"من الحاكم في؟ فقيل له: القاضي المالكي، فقال الشيخ: كيف تحكم في وأنت خصمي، فغضب غضبًا شديدًا وانزعج: وحبس الشيخ رحمه الله تعالى وآل أمره إلى الحبس المعروف بالجب وشاركه في حبسه أخواه شرف الدين وزين الدين".
نزل الشيخ في الحبس في شهر رمضان سنة 705 ومكث فيه سنة ونصف السنة، وفي خلال هذه المدة، حاول نائب السلطان في القاهرة، أن يوفق بينه وبين المخالفين له، لضغط الناس في الشام. الذين يعرفون للشيخ مكانته ومنزلته. ورجاه بحضور المجلس للمناقشة، ولكن الشيخ امتنع، وصحب بدله أخويه، وانعقد المجلس للمناقشة واشتد فيه النقاش، ولم يحصل الاتفاق ثم جاء الأمير الشامي، عيسى بن مهنا، إلى الشيخ في حبسه، وأقسم عليه ليخرجن وليذهبن معه إلى دار نائب السلطان في القاهرة، فخرج معه، وانعقد المجلس وحصلت المناقشة مع الفقهاء، وامتنع القضاة من الحضور، وانتهى المجلس على خير، فأوضح لهم معتقده، مؤيدًا ذلك من الكتاب والسنة حسب فهمه لهما.
بقي الشيخ في مصر، معلمًا ومرشدًا، وقد صفح عن كل من أذاه قائلًا:
"لا أحب أن ينتصر من أحد بسبب كذبه عليّ، أو ظلمه أو عدوانه، فإني قد أحللت كل مسلم، وأنا أحب الخير لكل المسلمين، وأريد لكل مؤمن من الخير ما أريده لنفسي، والذين كذبوا وظلموا هم في حل من جهتي) وبذلك انتهت هذه المحنة، ولكن القضاء -قضاء الله تعالى- لا زال مخبئًا له محنًا أخرى، وعليه أن يصبر، لينال ثواب الصابرين، وهكذا كان."
استمر الشيخ في دروسه وإرشاده في القاهرة، واستطاع أن يوجد له في هذه الإقامة المؤقتة، أنصارًا ومريدين يحاكمون رأيه ومعتقده، وأخذ كعادته يبين رأيه في مسائل الكلام، ومدى مخالفة بعضها لعقيدة السلف التي يعتنقها، وانتقد الشيخ محيي الدين بن عربي رحمه الله تعالى في بعض أفكاره [1] ، حتى ضج مخالفوه من أتباع ابن عربي ولم يتحملوا هذا النقد الفكري وحسبوا ذلك طعنًا وتجريحًا للشيخ الأكبر ابن عربي، فذهبوا بجموعهم إلى دار السلطنة يشكون منه، فأمر السلطان لحل هذا النزاع، بعقد مجلس للمناظرة (بدار العدل) .
فانعقد المجلس وحصلت المناقشة، وخرج المخالفون منه لا يلوون على شيء، بعد نصرة الفقهاء له وسكوت القضاة عنه.
(1) بعض العلماء قد كفر ابن عربي كابن المقري وابن خلدون والسخاوي وغيرهم، وبعض العلماء لم يكفره كالسيوطي والفيروزآبادي وأحمد السرهندي وغيرهم، وتورع شيخ الإسلام ابن تيمية في الجزم بخاتمته فقال رحمه الله في الفتاوى (2/ 284) بعد أن ذكر أقاويل الاتحادية الكفرية ..: (وهذه المعاني كلها هي قول صاحب الفصوص. والله تعالى أعلم بما مات الرجل عليه) أهـ. وانظر نحوها أيضا (2/ 91) (ط دار ابن حزم) .