فهرس الكتاب
وليت الأمر انتهى بذلك، ولكن استمرت (المنازعات والمقاطعات) حتى ضاقت الدولة ذرعًا، وضجر السلطان ولم تجد الدولة وسيلة لحسم هذه (المنازعات والمقاطعات) إلا أن تتجه نحو شيخ الإسلام.
فخير بين ثلاث. إما أن يخرج من القاهرة ذاهبًا إلى الشام مسقط رأسه، وإما إلى الاسكندرية بشرط أن لا يثير مثل هذه المسائل، ولا يتعرض بها بالنقد، وإما العودة إلى السجن، فاختار السجن متمثلا بقول الله تعالى حكاية عن قول يوسف الصديق عليه السلام: (السجن أحب إلي مما يدعونني إليه) [1] .
ولكن إلحاح طلابه ومريديه دفعه إلى الرضا بالذهاب إلى الشام وقبول الشرط. فركب خيل البريد في اليوم الثامن عشر من شوال سنة 707 هـ، وما أن سار مرحلة، حتى جاءه أمر السلطان بالعودة إلى القاهرة، وهناك بلغه قاضي القضاة، بأمر الحبس (قال بعضهم له: ما ترضى الدولة إلا بالحبس، وقال: قاضي القضاة: وفيه مصلحة له) .
وطلب من شمس الدين التونسي المالكي، أن يحكم، فقال: ما ثبت عليه شيء، ثم طلب من نور الدين الزاووي المالكي، فتوقف ولم يحر جوابًا، وهنا أنقذ الشيخ موقفهم، وقال: أنا أمضي إلى السجن، واتبع المصلحة .. فأرسل إلى حبس القضاة، وأذن بأن يكون عنده من يخدمه).
فأي مصلحة هذه سواء أكانت للدين أو للمسلمين، أن يحبس عالم، وهو غير متهم لا في أمر ديني أو دنيوي؟؟. هل العلماء وجدوا في هذه الدنيا، من أجل حمل الإسلام ونشر علومه بين الناس، أم في السجن يرقدون؟
وبسجن القضاة مكث سنة ونصف السنة أيضًا. ولكن هذا الحبس كان بمثابة إقامة جبرية، سمح للفقهاء والعلماء أن يزوروه فيه. كما سمح للطلاب أن يأخذوا عنه. ولا عيان للدولة أن يستفتوه، وبقي على هذا الحال حتى خرج من سجنه هذا، بقرار من مجلس القضاة والفقهاء، عقد في المدرسة الصالحية، وألزموا به الدولة، وبهذا تظهر قوة العلماء أنهم إن اجتمعوا -في كل حين- على شيء وقرروا فيه رأيًا نفذ، وخضعت له الدولة مجبرة، وإن خالف رأيها.
وعاد الشيخ إلى دروسه وتعليمه، وفي ذلك الوقت عزل السلطان الناصر ابن قلاوون نفسه، وتولى عنه الملك المظفر بيبرس الحاشنكير، وكان هذا الملك مريدًا للشيخ نصر المنجي، وهو من أتباع الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي رحمه الله تعالى، لذلك فقد استطاع أن ينفي شيخ الإسلام إلى الاسكندرية، ولكنه سمح له هناك بالتدريس والإفتاء، وبقي في نفيه هذا، حتى عاد الناصر بن قلاوون بعد سبعة أشهر إلى حكم الشام والقاهرة. وما أن وصل إلى القاهرة وجلس على دست الحكم في يوم مشهود، هو يوم عيد الفطر المبارك 709هـ، حتى فكر في أمر هذا الشيخ، فاستدعاه في اليوم الثاني من العيد مكرمًا معززًا، ولم يكتف السلطان الناصر بهذا التكريم، بل طلب منه الفتوى، في من آذوه وأوردوه المهالك.
وهم بنفس الوقت قد مالأوا خصمه في السلطان والحكم: مما أدى إلى عزل نفسه.
وطلب منه أن يقول كلمته في القوم، ومنهم ابن مخلوف المالكي الذي أمر بحبسه الأول، فأصدر شيخ الإسلام هذه الفتوى في خصومه. (بأن دماءهم حرام عليه وأنه لا يحل إنزال الأذى بهم. فقال له السلطان أنهم قد آذوك وأرادوا قتلك مرارًا. فقال الشيخ: من آذاني فهو في حل. ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه وأنا لا أنتصر لنفسي) .
ولم يكتف الشيخ بهذا الحكم الذي أرضى الله ورسوله وجماعة المسلمين. بل شفع لهم طالبًا العفو عنهم قائلًا للسلطان:"وإذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم".
وحين سمع ابن مخلوف المالكي ما قاله الشيخ فيهم قال: (ما رأينا مثل ابن تيمية حرضنا عليه فلم نقدر، وقدر علينا، فصفح وحاج عنا) .
(1) آية 33 من سورة يوسف.