لله درك رحمك الله وأرضاك. ولا غرابة في ذلك فقد كنت العالم التقي الذي يبتغي بعمله وجه الله والدار الآخرة.
وبهذا انتهت هذه المحنة، ولكن بقي لها ذيول، ومن ذيولها: أنه في اليوم الرابع من شهر رجب 711هـ (امتدت إليه أيدي أثيمة بالضرب، فتجمع أهالي الحسينية سكان محلة سيدنا الحسين رضي الله عنه بالقاهرة -وفيها محل سكناه .. ) ليثأروا للشيخ، فردهم، فألحوا عليه فمنعهم قائلا: (إما أن يكون الحق لي أو لكم أو لله؟ فإن كان الحق لي فهم في حلّ مني. وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني ولم تستفتوني فافعلوا ما شئتم؟؟ وإن كان لله فالله يأخذ حقه إن شاء)
وعاد الشيخ إلى دمشق، ولكن عودته لها، لم تكن للراحة والاستجمام في مصايف بلودان ودمر، بعد ما أصابه من شدة وبأس في مصر وإنما عاد إليها مجاهدًا يحمل السيف وهو قد تجاوز الخمسين عامًا.
نعم عاد مجاهدًا، فقد صحبه السلطان الناصر وهو على رأس جيش المسلمين لملاقاة التتار، وفي الطريق وصلت أنباء هذا الجيش المظفر إلى التتار، فرجعوا خائبين لا يلوون على شيء.
قال ابن كثير (ثم إن الشيخ بعد وصوله إلى دمشق، واستقراره بها، لم يزل ملازمًا للاشتغال في سائر العلوم، ونشر العلم وتصنيف الكتب وإفتاء الناس بالكلام والكتابة المطلوبة، والاجتهاد في الأحكام الشرعية. ففي بعض الأحكام يفتي بما أدى إليه اجتهاده، من موافقة أئمة المذاهب الأربعة، وفي بعضها يخالفهم [1] أو يخالف المشهور في مذاهبهم، وله اختيارات كثيرة) .
وكان من جملة مخالفته للقول المشهور من أصحاب المذاهب الأربعة، مسألة الحلف بالطلاق، فهو رحمه الله يراه لا يقع الطلاق به، ولا تنفصم به عقد الزوجية. وله دليله الشرعي في ذلك، ولما أفتى بها وطار خبرها، استنكر ذلك فقهاء المذاهب، فاجتمع به قاضي القضاة وأشار عليه بترك الافتاء بهذه المسألة فقبل الإشارة المتضمنة نصحه، وما أن مرت الأيام به، حتى عاد إلى الفتوى بها ووجد أن عموم البلوى يدفعه إلى الجهر بها. ولما علم السلطان الناصر، أن ابن تيمية عاد إلى فتواه هذه، كتب إليه كتابًا في 19 رمضان 719هـ يؤكد عليه إشارة قاضي القضاة، ولكنه رحمه الله رفض هذه الإشارة، رغم تأكيدات المنع وإشارات القضاة، عند ذاك قرر نائب السلطنة في دمشق حبسه في القلعة، وبقي محبوسًا فيها خمسة أشهر وثمانية عشر يومًا. ولما يئس الجميع من رجوعه وامتناعه، أمر السلطان الناصر بإطلاق سراحه، وكان ذلك في 10 محرم الحرام 721هـ، وخرج من السجن، متمسكًا بفتواه تلك.
(1) [إنه رحمه الله حين يخالفهم، يعتذر عنهم بأعذار مختلفة، وهكذا شأن العالم الثبت، يراجع في معرفة ذلك رسالته المسماة: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) ] .