وانتهت بهذا محنته هذه، ولكن بقيت في انتظاره محن أخرى، كانت هي الأخيرة والتي مات فيها. الفقهاء والقضاة من ذوي الشأن، لم يتحملوا نقده، كما لم يطيقوا صبرًا على فتاويه، فهو يفتي بما يراه صوابًا وإن خالف من خالف من الفقهاء والعلماء، لأنه ينظر إلى الدليل الشرعي، وقول الصحابة الكرام، ويسوقه هذا النظر إلى رأي معين يعتقد بصوابه فيعلنه بجرأة، ولا يلزم الناس بما يقول من فتوى إذا ما كان قاضيًا، وإنما كان مفتيًا، يسأله السائل فيجيب، ولا يملك أي فقيه أو مجتهد مهما بلغ في العلم، أن يلزم الناس بآرائه الاجتهادية ما دام الرأي معتمدًا على نص ظني الدلالة والثبوت، وهو يحمل أكثر من رأي واحد، وإنما الإلزام يكون في الرأي الذي يعتمد على نص قطعي الدلالة والثبوت، ولا موضع للاجتهاد فيه، كما يكون الإلزام فيما تتبناه الدولة من آراء وأحكام. وسار الشيخ على هذا النهج (ولم يزل كذلك إلى أن ظفروا له بجواب يتعلق بمسألة شد الرحال إلى قبور الأنبياء والصالحين) [1] .
وكان قد أجاب به نحو عشرين سنة فشنعوا عليه بسبب ذلك.
وكبرت القضية [2] وورد مرسوم السلطان في شعبان من سنة ستة وعشرين (وسبعمائة) بجعله في القلعة (محبوسًا) فأخليت له قاعة حسنة، وأجري إليها الماء، وأقام فيها ومعه أخوه يخدمه، وأقبل في هذه المدة على العبادة والتلاوة وتصنيف الكتب، والرد على المخالفين وكتب على تفسير القرآن ..
وظهر بعض ما كتبه واشتهر، وآل الأمر إلى أن منع من الكتابة والمطالعة، وأخرجوا ما عنده من الكتب ولم يتركوا له دواة ولا قلمًا وكتب عقيب ذلك بفحم يقول: إن إخراج الكتب من عنده من أعظم النقم.
ويحسن بنا أن نختم محنته بل محنه، بذكر بعض ما كتبه بالفحم وهي تصور نفسيته، وتبرز شخصيته. معبرة عما يجول في خاطره في تلك المحنة التي كانت عليه من أعظم النقم).
يقول رحمه الله:"كل ما يقضيه الله تعالى فيه الخير والرحمة والحكمة، إن ربي لطيف لما يشاء، إنه هو القوي العزيز العليم الحكيم، ولا يدخل على أحد ضرر إلا من ذنوبه، ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك، فالعبد عليه أن يشكر الله ويحمده دائمًا على كل حال، ويستغفر من ذنوبه، فالشكر يوجب المزيد من النعم، والاستغفار يدفع النقم، ولا يقضي الله للمرء من قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له".
مكث شيخ الإسلام بسجنه هذا خمسة أشهر قاضيًا أيامه الأخيرة، في (التلاوة والعبادة والتهجد) .
(1) [مات رحمه الله تعالى في سنة (728) هـ وله من العمر 67 سنة] .
(2) [يرى شيخ الإسلام رحمه الله عدم جواز ذلك للحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم. حيث قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا) والذي عليه جمهرة الفقهاء وهو الذي نعتقده صوابًا أن شد الرحال إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين الزيارة الشرعية جائزة ولا تدخل في نهي الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام هذا وإنما النهي منصب على شد الرحال إلى غير هذه المساجد الثلاثة بقصد الصلاة فقط لأن الصلاة في المساجد كلها سوى المساجد الثلاثة المذكورة -ذات أجر واحد لا فضل لمسجد على آخر كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام. وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة في مسجدي) رواه الإمام أحمد وبهذا المعنى روى البخاري ومسلم] .