وبعبارة أخرى، كما يقول الرازي في تفسيره (وقاتلوهم حتى يزول الكفر ويثبت الإسلام ... وهو نظير قوله تعالى(سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَاسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) [1] .
أما قوله تعالى: (فَإِنِ انتَهَوا) فالمعنى فإن انتهوا عن الكفر فأصبحوا مسلمين أو تمسكوا بدين غير دين الإسلام. ولكنهم رضوا بسلطان الإسلام وخضعوا لدولته، فلا يجوز قتالهم.
ومعنى الانتهاء هنا مثل قوله تعالى: (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ) [2] أما قوله تعالى: (فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ) .
فالمعنى أن انتهوا عن ذلك -كما مر- فلا قتال إلا على الذين ينتهون عن الكفر: ولا يقبلون بسلطان الإسلام، وإصرارهم على هذا الامتناع وعدم الانتهاء هو الظلم لأنفسهم، كما قال تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) .
وقد سمى الله تعالى هذا القتال -وهو قتال حق- عدوانا لأنه كان جزاء العدوان، فصح إطلاق اسم العدوان عليه، وهو كقوله تعالى (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) [3] وقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) [4] .
ويؤيد هذا المعنى لهذه الآية الكريمة: آيات الله تعالى العديدة، وأحاديث الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم المستفيضة، التي دعت إلى الجهاد وبينت غايته ومقصده السامي النبيل، ويؤكده أيضًا عمل الرسول الأعظم وعمل خلفائه، الذين تولوا الحكم والسلطان بعده.
أما الآيات الكريمة، فمنها قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [5] .
وقوله: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ) [6] . وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ) [7] .
أما الأحاديث النبوية فمنها قوله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) . وقوله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله) [8] .
وأما عمله صلى الله عليه وسلم فقد قضى حياته في المدينة المنورة ثلاث عشرة سنة [9] مجاهدًا، يقاتل الكفار والمشركين. حتى تم له فتح الجزيرة العربية وما جاورها استجابة لأمر الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [10] .
وأما عمل الخلفاء المسلمين، أو نقول عمل الدولة الإسلامية التي تولى رئاستها الخلفاء، فإن الجهاد والفتح للبلدان امتد إلى ثلثي العالم.
(1) الآية 10 الفتح.
(2) الآية 38 الأنفال.
(3) الآية 40 الشورى.
(4) الآية 194 البقرة.
(5) الآية 29 التوبة.
(6) الآية 41 التوبة.
(7) 10 - 11 من سورة الصف.
(8) متفق عليه.
(9) اختلف أهل العلم في مدة إقامته صلى الله عليه وسلم في مكة بعد البعثة، أكانت عشر سنين أم ثلاث عشرة سنة أم خمس عشرة سنة. وأما مدة إقامته في المدينة فعشر سنين اتفاقًا، كذلك قال السيوطي رحمه الله، فلعله وهم من المؤلف غفر الله له.
(10) الآية 73 التوبة.