وأن جهادهم هذا ما كان إلا تنفيذًا لما عليهم من واجب وهو تبليغ الإسلام للناس أجمعين، على وجه يلفت الأنظار، وذلك بتطبيق أحكام الإسلام على سكان البلاد المفتوحة، ونشر أفكاره بين صفوف أهلها لأن عقيدة الإسلام عقيدة عالمية، إذ هي عقيدة لكل إنسان، ولأن نظام الإسلام، نظام عالمي، وهو نظام لكل إنسان، بغض النظر عن القومية واللغة والبلاد. (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [1] .
وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) [2] . لذلك لم تكن الفتوحات الإسلامية، القائمة على الجهاد، من أجل استغلال الشعوب واستعمارها، ولا من أجل نهب خيرات البلاد واستثمارها كما يصور الكافر المستعمر، ويزعم المضبوعون بثقافته الاستعمارية الخبيثة.
وإنما كان الجهاد وفتوحاته من أجل شيء واحد وواحد فقط، هو حمل الدعوة الإسلامية وإنقاذ شعوب العالم من حياة الشقاء والتعاسة. وإخراجهم من الظلم والظلمات التي يعيشونها بسبب فساد أنظمتهم وضلال أفكارهم، وخطأ عقيدتهم، إخراجهم من ذلك كله، إلى نور الإسلام، وضياء القرآن، وإلى العبادة الكاملة والطمأنينة الحقة، من تطبيق نظام الإسلام، ونشر عقيدته الصافية النقية.
تلك آيات الله تعالى: وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم، وعمله والخلفاء، والذين جاءوا بعده، بينت الغاية من الجهاد، والقصد من الفتوحات، من أنها لإعلاء كلمة الله في الأرض، وحمل الدعوة إلى الإسلام، ورفع راية التوحيد في العالم خفاقة بالنصر المبين.
فلما فهم العلماء ذلك، وأدركوه، بل وعلموه، وقاموا بهذا الجهاد المقدس وهم يعرفون أنه فرض كفاية: إذا أتمه البعض سقط عن الباقين، ومن أولى من العلماء في القيام بأفضل الأعمال، وأجل القربات، وأعظم الطاعات وأكرم العبادات وهو الجهاد في سبيل الله؟.
بل من أولى منهم لنوال الشهادة في الجهاد، والشهيد كما يعلمون من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا وله درجة تدنو من درجة الأنبياء والمرسلين، بل هو معهم في جنات النعيم.
أما إذا هاجم العدو بلاد المسلمين، أو احتل أرضهم، فإن الجهاد يصبح فرض عين على كل مسلم ومسلمة، من القادرين على حمل السلاح ومقاتلة العدو، والعلماء في مقدمتهم يجاهدون بأموالهم وأنفسهم وألسنتهم. وتلك شواهد محسوسة، من قيام العلماء بالجهاد المقدس، بنوعيه العيني والكفائي، ضاربين صفحًا عن ذكر علماء الصحابة الكرام رضي الله عنهم، لأنهم جميعًا مجاهدون، وقد جاهدوا في سبيل الله بدون استثناء، حتى وصل إلينا هذا الدين العظيم عن طريق جهادهم المبرور.
أما علماء التابعين وعلماء العصور التي تلتهم، فنمسك عن ذكر أولئك الذين جاهدوا بأموالهم، أو الذين حرضوا على الجهاد بلسانهم، فلسنا نريد شاهدًا من ذلك.
وإنما نقتصر على أولئك الذين حملوا السيف، وخاضوا ميدان المعارك الحربية، وهم بين الأسنة والرماح وتحت ظلال السيوف، وبين صهيل الخيل وقعقعة اللجم، أو مرابطين على الثغور في القيظ والريح والبرد الشديد، ساهرين على حماية ثغور المسلمين، حارسين عليها، وقد جمعوا بين الأفضلين العلم والجهاد .. وهؤلاء بلغوا من الكثرة حدًا لا يحصرهم العد، ويكفينا أن نذكر بعضهم، لأننا لا نريد تسجيل فهرست بأسمائهم لأن ذلك يطول، ولا يحصل المقصود، ولذا يكفينا أن نضرب المثل لبعضهم: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [3] ..
(1) الآية 107 الأنبياء.
(2) الآية 28 سبأ.
(3) آية 21 من سورة الحشر.