الصفحة 131 من 146

فهذا الإمام الجليل كان يحج سنة ويجاهد أخرى، حتى أنه مات بعد انصرافه من الجهاد فتوفي في هيت في رمضان سنة 181هـ.

قال الحسن بن الربيع: (خرج فارس من المسلمين ملثم فقتل فارسًا من العدو كان قد فعل بالمسلمين، فكبر له المسلمون، فدخل في غمار الناس ولم يعرفه أحد فتتبعته حتى سألته بالله أن يرفع لثامه فعرفته. وقلت: أخفيت نفسك مع هذا الفتح العظيم، الذي يسره الله على يدك؟. فقال: الذي فعلت له لا يخفى عليه) [1] .

وخرج من الشرك فارس، فانتدب له: فإذا وقعت الصلاة فسأله التنحي وصلى ركعتين [2] . فلما ذهب إليه، قال الفارس المشرك حتى أصلي أنا: وجعل يصلي إلى الشمس، فلما خر ساجدًا، قال ابن المبارك هممت أن أغدر به فإذا قائل أسمعه (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا) [3] ، فتركت الغدر، فلما قال لي -الفارس المشرك- لِمَ تحركت؟ قلت أردت الغدر بك، قال فلم تركته؟

قلت لأني أمرت بتركه: قال: الذي أمرك بترك الغدر أمرني بالإيمان والتحق بصف المسلمين) [4] .

يقول ابن خلكان عن هذا الإمام الجليل. (هو الحافظ شيخ الإسلام المجاهد. التاجر. صاحب التصانيف والرحلات. جمع الحديث والفقه والعربية وأيام العرب والشجاعة والسخاء .. وله كتاب في الجهاد وهو أول من صنف فيه) داعيًا له بحماس لذلك يقول في الدعوة إلى الجهاد:

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمت أنك في العبادة تلعب ...

أو كان يتعب خيله في باطل ... فخيولنا يوم الصبيحة تتعب ...

ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... رهج السنابك والغبار الأطيب ...

ولقد أتانا من مقال نبينا ... قول صحيح صادق لا يكذب ...

لا يستوي غبار خيل الله في ... أنف امرئ ودخان نار تلهب ...

هذا كتاب الله ينطق بينا ... ليس الشهيد بميت لا يكذب [5]

(1) [ما أروع هذه الكلمة وما أعظمها وما أجدرها بالكتابة والتعليق. ليعلم أولئك الذين شغفهم حب الظهور وما دروا أنه قاصم للظهور] ..

(2) [لما كان الجهاد من السفر لذا فإن الصلاة الرباعية فيه تصلى ركعتين. وهي الصلاة المعروفة بصلاة المسافر] .

(3) آية 31 من سورة الإسراء.

(4) [النور السافر ذكره صاحب من أخلاق العلماء] .

(5) انظر سير أعلام النبلاء 8/ 412.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت