وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية. فإن حوادث جهاده كثيرة. فقد كان العالم المجاهد الذي جمع بين السيف والقلم ومن حوادث جهاده:
إن التتار حين جاءوا بجموعهم إلى الشام سنة 702هـ أرجف المرجفون، وخرجت القلوب من جنوبها، حيث استعدت الجيوش من مصر والشام لملاقاة تلك الجموع، وقد أخذ دعاة الهزيمة والتردد ينشرون الفزع في القلوب، أما ابن تيمية فكان يثبت القلوب ويعدهم بالنصر والغلبة، تاليًا عليهم قول الله تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) [1] .
حتى إنه كان يحلف بالله: إنكم لمنصورون، فيقول بعض الأمراء له: قل إن شاء الله، فيقول: أقولها تحقيقًا لا تعليقًا، فاطمأنت القلوب وسكنت النفوس، ولكن دعاة الهزيمة أتوا الناس من ناحية أخرى متذرعين بقولهم: كيف نقاتل المسلمين؟؟ إن ذلك ليس بجائز شرعًا. يقولون هذا الزعم وكأنهم مهاجمون وليسوا مدافعين. عندئذ تقدم ابن تيمية بجرأة الحقيقة الشرعية في هذا القتال والمقاتلين. فيقول: هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على علي ومعاوية، ورأوا أنهم أحق بالأمر منهما.
وهؤلاء يزعمون أنهم أحق بإقامة الحق من المسلمين، ويعيبون على المسلمين ما هم متلبسون به من المعاصي والمظالم، وهم متلبسون بما هو أعظم منه بأضعاف مضاعفة.
ثم قال مصرحًا: (إذا رأيتموني في ذلك الجانب -أي مع التتار- وعلى رأسي مصحف فاقتلوني) [2] ، فتحركت القلوب وثارت نخوتها الإسلامية، ثم امتطى، رحمه الله تعالى، صهوة جواده وخرج إلى ميدان القتال محاربًا ومحرضًا، فلما كان لمثله أن يدعو إلى الثبات في الجهاد، وهو ينكص على عقبيه، بل يتقدم الجموع لينال الشهادة في سبيل إعزاز كلمة الدين وراية الإسلام. وذهب إلى (مرج الصفر) وهو قريب من دمشق وابتدأت الموقعة الحربية التي تسمت في تاريخ بموقعة (مشقجب) وذلك في شهر رمضان سنة 702هـ وتلاقى الجمعان. ووقف العالِم المجاهد موقف الموت، مقاتلًا، وهو يثبت القلوب من حوله بقتاله وفِعاله، وقد اجتمع بالسلطان قبل الموقعة، يحثه على الجهاد والقتال ورد المعتدين الآثمين، حيث بلغه أن السلطان متردد في القتال فما كان من السلطان إلا أن تحمس وطلب منه أن يقف بجانبه في المعركة. فقال شيخ الإسلام: (السنة أن يقف الرجل تحت راية قومه ونحن من جيش الشام لا نقف إلا معه) .
وقد حث الجند وأمراءهم على الإفطار ليتقووا على القتال، وكان يروي لهم قول النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة الكرام في غزوة الفتح: (إنكم ملاقو العدو والفطر أقوى لكم) [3] .
وكان رحمه الله يدور على الأجناد يأكل معهم من شيء معه، ليبين أن إفطارهم أفضل ليقووا به على القتال.
(1) 60 سورة الحج.
(2) [هذا هو الفقه ولب المعرفة: فما يغني المصحف في الرأس أو على الرأس إذا لم يمنع صاحبه عن محارم الله ولم يوقفه عند حدوده ويدفع جوارحه إلى خدمه دينه.
وقديمًا حورب الخوارج وكانت قراءتهم للقرآن الكريم لها دوي كدوي النحل ولكن لم تتجاوز حناجرهم].
(3) أخرجه مسلم في صحيحه.