الصفحة 15 من 146

أما ما نراه على رؤوس العلماء من العمائم فهو لباس جميع المسلمين في العهد الإسلامي الزاهر، فالعلماء في ذلك العصر لم يتميزوا بلباس ليعرفوا به، وإنما عرفوا بالعلم والعمل، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو إمام العلماء وسيدهم كان جالسًا مع أصحابه فجاء أعرابي فال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقالوا: هذا الأبيض المتكئ، فقال الرجل الأعرابي: يا ابن عبد المطلب، فقال النبي الكريم: (قد أجبتك) .. فهذا الخبر [1] ، وأمثاله كثير، يدل على أنه عليه الصلاة والسلام لم يتميز على أصحابه بلباس معين، ولكن لم يبق لباس العمامة زيًا للمسلمين وإنما تبدل بأزياء أخرى اقتبسوها من الآخرين وقلدوهم فيها تقليدًا، إلا أن العلماء ظلوا على زيهم الأول -وإن اختلفت أشكال العمامة- فهم إذن لم ينفردوا بزي وإنما بقوا على زيهم السابق، ولكن تغيير لباس المسلمين لأزيائهم جعل زي العلماء الثابت متميزًا عليهم. وليس من بحثنا هنا بيان الزي الذي يجوز والزي الذي لا يجوز، وإنما نريد أن نبين فقط أن العلماء لم يبتدعوا هذا الزي الذي هو عليهم اليوم وإنما هو لباس المسلمين الأولين جميعًا أو هو شبيه به، وليس من الواجب شرعًا أن يرتدي العمامة والجبة كل عالم، على أن هنالك رواية تشير أن القاضي أبا يوسف رحمه الله أول من خصص للعلماء زيًا معينًا.

أما الفصل بين دوائر المحاكم الشرعية والمحاكم الدينية فلم تكن في الإسلام. ولا يجوز أن تبقى ما دامت تشعر بفصل الدين عن شؤون الدولة. فالمحاكم واحدة تحكم بالإسلام وحده، كما أن الإسلام لا يقر كل دائرة تشعر بهذا الفصل.

لذلك كان في الإسلام فقهاء وعلماء ومجتهدون وليس فيه رجال دين بالمعنى المفهوم اليوم. ثم إن هؤلاء العلماء والفقهاء والمجتهدين مهمتهم في الحياة حمل الدعوة الإسلامية إلى الناس، وبيان أحكام الله في كل مشكلة وحادثة، ومن واجبهم مناقشة الحكام ومحاسبة المسؤولين وإبداء النصيحة لهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا هو العمل السياسي لأن السياسة، كما مر (رعاية شؤون الناس) ومنهم من تولى رئاسة الدولة واشترك في تولي المسؤولية في الحكم وهذا شيء اعتيادي يتفق مع طبيعة الإسلام، لأن الدولة تحكم بالإسلام، وتتولى شؤون الرعية على أساسه، بل من شروط الأفضلية لرئيس الدولة الإسلامية أن يكون عالمًا أو مجتهدًا.

(1) أخرجه أبو داود في سننه برقم 483 وحسنه الألباني في"صحيح أبي داود".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت