وبعبارة أخرى إن العالم بالإسلام يقوم بأداء العبادة ويعلمها كما يشتغل بأمور السياسة، ويدعو إلى التمسك بالأخلاق الإسلامية كما يدعو إلى المحافظة وحسن تطبيق أنظمة الإسلام سواء بسواء يحاسب الحكام ويناقش المسؤولين ويعظ الرجال ويهدي الأطفال. والعالم في الوقت الذي يكون فيه حليف محراب وأليف تقوى، يكون بطل جهاد وفارس ميدان، وحين نراه واعظًا ومدرسًا في المسجد نراه خطيبًا ومرشدًا في مجلس الشورى، فيه الاستعداد الكامل ليكون جنديًا وقائدًا جامعًا بين الرحمة والشدة، يفهم الحياة فهمًا خاصًا يؤهله هذا الفهم المستنير أن يستولي على الدنيا بحقها وينال الآخرة بالسعي لها، وما ينطبق على العالم ينطبق على كل مسلم لأن مسؤولية الإسلام تقع على عاتق كل مسلم، قال رسول الله عليه الصلاة والسلام (أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك) [1] . فالمسلمون أجمع مشتركون في المسؤولية وإن كانت مسؤولية العلماء أعظم وأوثق ويؤيد عموم مسؤولية المسلمين قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم (من أصبح -والخطاب عام- لا يهتم للمسلمين فليس منهم) [2] .
أما فيما يتعلق بالحاكم فقد ذكرنا نشوء السلطتين اللتين أصبحتا في أوروبا بعد ثورتها الفكرية، السلطة الروحية وهي بيد رجال الدين والسلطة الزمنية الدنيوية وهي بيد رجال الفكر.
واستمرت هاتان السلطتان في اتفاق وتكافل بينهما، ولكن لم يمر عليهما وقت طويل، حتى ادعى رجال السلطة الروحية حقوقًا وانتحلوا لهم صفات وبمرور الزمن استطاعت هذه السلطة أن تجذب الناس لها، وتجمّع حولها الجموع، فهيأت للأمر عدته، وحسبت الحساب لكل طارئ، فاتخذت لها جيوشًا وأساطيل. وعند ذاك فرضت سلطانها وإرادتها على السلطة الزمنية، حتى أصبحت القيم والوصي عليها، فلا يبرم أمر إلا عن طريقها ولا ينفذ قول إلا إذا ارتضته وأقرته، ولكن لما ضاق ببعض الملوك ذرعًا بذلك فلم يتحملوا تصرفات تلك السلطة التي أخذت على أيديهم وشلت حركتهم وشاركتهم في الشؤون، وتدخلت في كل الأمور، أعلن هؤلاء الملوك وهم على جانب عظيم من القوة ولا زالوا يتمتعون بسلطتهم، أعلنوا المقاومة والثورة واستعملوا السلاح الحربي وأطلقوا النيران، وأخيرًا تمكنت السلطة الزمنية من رفع يد تلك السلطة عنها بعد حروب طاحنة لم يشهد لها مثيل في ذلك القرن ولكن بقيت تحمل الولاء للكنيسة وتنازعها استقلالها حتى تم لها النصر الأخير بحدوث الوحدة الإيطالية 1870م ودخول جنودها إلى المملكة البابوية.
(1) [رواه الحاكم، فالرسول الكريم في هذا الحديث يشبه مسؤولية الإسلام كالسور الواحد الذي له ثغور وكل ثغرة يحرسها مسلم، فلا يمكن لمسلم أن يترك حراسة ثغرته ليحرسها مسلم آخر لأن الآخر له ثغرة يحرسها أيضًا.]
(2) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان برقم 10586 بإسناد ضعيف.