الصفحة 17 من 146

فمثل هذه الأحداث الخطيرة لم تقع في بلاد المسلمين أثناء حكم الإسلام، ولن يسمح الإسلام بوقوعها يومًا ما، لأنها خلاف طبيعته، لأنه ليست فيه سلطتان، ولم يجعل الولاية على الأمة الإسلامية من قبل سلطتين، بل السلطة واحدة وهي تعني الحكم والسلطان وهي بيد الأمة وحدها قال تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) [1] . فالله تعالى استخلف عباده المسلمين على الحكم والسلطان وقال تعالى (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ) [2] ، (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ) [3] ، أي جعلنا لكم فيها الحكم، وأعطيناكم السلطان، والأمة تنيب عنها رجلًا منها ليتولى الحكم، وليطبق الشرع، ولا تجب طاعته إلا في حدود الإسلام، فليست لهذا الحاكم قداسة، كما ليست له السيادة، وإنما القداسة لكتاب الله وسنة رسوله والسيادة للشرع الإسلامي وحده، (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) [4] ، (أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) [5] أكمل هذه الآية الكريمة فقال (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) [6] ، فأين قداسة الحاكم المسلم وأين سيادته ومن حق الأمة أن تنازعه إذا اختلفت معه على شيء، وهذا أبو بكر الصديق خليفة رسول الله، يقول في خطابه الأول للمسلمين بعد أن بايعوه على الخلافة والحكم"أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوّموني .. إلى أن قال .. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم" [7] .

وهذا عمر بن الخطاب أمير المؤمنين يقول يومًا على منبره: أيها الناس من رأى منكم فيّ اعوجاجًا فليقوّمه. فيجيبه أحدهم لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناه بحد سيوفنا، فلا يزيد أن يقول الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوّم اعوجاج عمر بسيفه، فأية قداسة لهذا الخليفة وأية سيادة لهذا الأمير، مع أنهما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، والمسلمون والعالم كله يعرف من هو أبو بكر ومن هو عمر .. [8]

ثم أن هناك فروقًا كثيرة بين منصب الخلافة الذي يتمتع به الحاكم المسلم وبين منصب البابوية الذي يتصف به البابا المسيحي.

فالبابا ينتخبه الكرادلة وهم أرفع الرتب الكهنوتية في الديانة المسيحية الحالية، وعددهم سبعون، ويبقى البابا في منصبه حتى الموت. والخليفة رجل من المسلمين تنتخبه الأمة وتبايعه على تطبيق الشرع الإسلامي وتستطيع الأمة أن تنزع منه البيعة وتقصيه عن منصب الخلافة في حالة عجزه عن رعاية شؤونها، أو مخالفته للشرع وإساءته إليه.

والبابا بيده النقض والإبرام، وخليفة المسلمين ليست بيده هذه الأشياء، بل يقول خليفة المسلمين عمر بن الخطاب:"وددت أن أخرج -أي من الدنيا- كما دخلت لا أجر ولا وزر" [9] .

(1) الآية 55 النور.

(2) الآية 10 الأعراف.

(3) الآية 41 الحج.

(4) الآية 65 النساء.

(5) الآية 59 النساء.

(6) الآية 59 النساء.

(7) انظر السيرة لابن هشام 2/ 661، والكامل لابن الأثير 2/ 332، وعيون الأخبار 2/ 234.

(8) أخبار عمر ص331 - 332.

(9) أخرجه البخاري في صحيحه برقم 3700 بلفظ:"وَدِدت أن ذلك كفافٌ لا عليَّ ولا لي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت