الصفحة 23 من 146

3 -أن الحكم فعل وليس اعتقادًا، والفعل إن كان مخالفًا لما أمر الله به كان معصية، ولم يكن كفرًا، إلا إذا كان الفعل ذاته كفرًا وذلك أن الفعل إما أن يكون مخالفًا لما أمر الله به من الأحكام، أو مخالفًا لما أمر الله به من الاعتقاد، فإن كان مخالفًا لما أمر الله به من الأحكام كان معصية ولا يكون كفرًا، إلا إذا جاء نص قطعي الدلالة قطعي الثبوت على أنه كفر، فطاعة الوالدين قد أمرنا بالقيام بها، ولا يتضمن الأمر أمرًا بالاعتقاد، ولهذا كان عاق الوالدين عاصيًا وليس بكافر، بخلاف فعل السجود لله، فإنه قد أمرنا به على سبيل الاعتقاد، وأمرنا بالعمل به تبعًا لذلك الاعتقاد، لأن أصل العقيدة الإسلامية أن لا معبود إلا الله، ومن هنا كان القيام بالسجود لغير الله كفرًا، فمخالفة أوامر الله لا تكون كفرًا، إلا إذا كانت مصحوبة بالاعتقاد، أي بعدم الاعتقاد بها أو عدم صلاحيتها، فالشرع أمرنا بالاعتقاد وأمرنا بالعمل، ويختلف حكم الأمر بالاعتقاد عن حكم الأمر بالعمل، ولما كان الحكم بغير ما أنزل الله مخالفًا لأمر العمل وليس مخالفًا لأمر الاعتقاد كان ترك ما أنزل الله معصية، ولم يكن كفرًا على أن واقع الحكم بغير ما أنزل الله ليس عمل كفر وذلك لسببين، أحدهما، أن الشرع لم يقل عنه أنه كفر، ولذلك لا يعتبر عمل كفر، ويؤيد هذا أن بعض الخلفاء المسلمين حين أخذوا البيعة لأولادهم في حياتهم بالإكراه على مرأى ومسمع من بعض الصحابة وجلة العلماء وهو حكم بغير ما أنزل الله، ولا نعلم أحدًا قال عن هؤلاء أنهم قد كفروا، والسبب الثاني هو أن الحكم بغير ما أنزل الله ليس فرعًا عن العقيدة الإسلامية كالسجود للصنم والصلاة أو الصلاة مع النصارى، ولذلك لم يكن عمل كفر وإنما هو نوع من مخالفة أمر الله، وليس نوعًا مما أمرنا الله بالاعتقاد به.

فلو أن حاكمًا حابى أحدًا وهو سارق فحكم عليه بالسجن دون قطع اليد فهذا عاص أو ظالم وليس بكافر بخلاف ما لو حكم عليه بالسجن دون القطع رادًا حكم القطع معتقدًا خطأ قطع اليد وصواب الحكم بالسجن فهذا كافر بلا شك فكلا الحكمين حكم بغير ما أنزل الله وكلا الحاكمين حكما بغير ما أنزل الله ولكن قد فرق بينهما، فكان أحدهما عاصيًا ظالمًا والآخر كافرًا، والتفريق بينهما إنما جاء بالاعتقاد، فلو أن الحكم بغير ما أنزل الله عمل كفر لكان حكمهما واحدًا؟! [1]

لهذا وغيره فإن معنى الآية يكون ومن لم يحكم بما أنزل الله رادًا له كما فعل اليهود الذين نزلت بحقهم هذه الآية، حين حكموا بغير ما أنزل الله عليهم رادّين ما أنزل الله غير معتقدين بصلاحه لهم، فهم كفار، ومفهوم المخالفة، أن من حكم بغير ما أنزل الله غير راد له فليس بكافر.

(1) يتضح من المثال أن المؤلف أراد بتأصيله هذا:"الحكم بغير ما أنزل الله"في المسألة ونحوها دون تبديل أو تشريع، وأما"الحكم بغير ما أنزل الله"تبديلًا أو تشريعًا فذلك الكفر؛ قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل شيخ رحمه الله: وأما الذي قيل فيه: كُفر دون كفر، إذا حاكم إلى غير الله، مع اعتقاد أنه عاص وأن حكم الله هو الحق، فهذا الذي يصدر منه المرَّة ونحوها، أما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع فهو كفر وإن قالوا: أخطأنا وحكم الشرع أعدل. ففرق بين المُقرِّر والمثبِت والمرجع، جعلوه هو المرجع. فهذا كفر ناقل عن الملَّة. أهـ (مجموع رسائل وفتاوى الشيخ ابن إبراهيم 12/ 280) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت