الصفحة 24 من 146

وهذا الرأي في فهم الآية هو رأي كبار المفسرين، قال الطبري في تفسيره (حدثني المثنى قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله:"وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ"قال من جحد ما أنزل الله فقد كفر ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق، ثم قال(فإن قال قائل فإن الله تعالى ذكره قد عم بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله فكيف جعلته خاصًا، قيل إن الله تعالى عم بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم بكتابه جاحدين فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون وكذلك القول عن كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به هو بالله كافر، كما قال ابن عباس رضي الله عنه، لأنه بجحوده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه نظير جحوده نبوة نبيه بعد علمه أنه نبي) .

وقال القرطبي في تفسيره ما نصه (قوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، الظالمون، الفاسقون، نزلت كلها في الكفار ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء وقد تقدم وعلى هذا المعظم، أما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة، وقيل فيه إضمار أي من لم يحكم بما أنزل الله رادًا للقرآن وجحودًا للرسول الكريم فهو كافر، قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد، فالآية عامة على هذا قال ابن مسعود والحسن وهي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار، أي معتقدا ذلك ومستحلًا له، فأما من فعل ذلك وهو غير معتقد أنه ارتكب محرم فهو من فساق المسلمين وأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، قال ابن عباس رضي الله عنهما ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلًا يضاهي أفعال الكفر) [1] .

(1) جاء في"الجامع في طلب العلم الشريف": فاشترط الجحد للحكم بالكفر: ابن عباس فيما نسبه إليه الطبري في تفسيره (6/ 257) ونقله ابن كثير، واشترطه عكرمة فيما نقله أبو حيان الأندلسي في تفسيره (3/ 493) .

ولم يشترط الجحد للحكم بالكفر بقية من نقلنا عنهم من الصحابة والتابعين وأن من تعمد ترك حكم الله فقد كفر، كما نقل القاسمي في تفسيره (ونقل في «اللباب» عن ابن مسعود والحسن والنخعي: أن هذه الآيات الثلاث عامة في اليهود وفي هذه الأمة، فكل من ارتشى وبدّل الحكم، فحكم بغير حُكم الله فقد كَفَر وظَلَم وفَسَق، وإليه ذهب السدّي، لأنه ظاهر الخطاب. ثم قال: وقيل: هذا فيمن عَلمَ نص حكم الله ثم ردّه عيانًا عمدًا وحكم بغيره، وأما من خفي عليه النص أو أخطأ في التأويل فلا يدخل في هذا الوعيد، انتهى) من (محاسن التأويل) للقاسمي، 6/ 215.

هذا، وقد قال القرطبي (وقال ابن مسعود والحسن: هى عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار، أي معتقدًا ذلك ومستحلًا له) (تفسير القرطبي) 6/ 190. فأنبّه على أن جملة (معتقدًا ذلك ومستحلًا له) هي من كلام القرطبي ليست من كلام ابن مسعود والحسن رضي الله عنهما. فهذه أقوال من اشترط الجحد ومن لم يشترط للحكم بالكفر الأكبر الوارد في الآية على من لم يحكم بما أنزل الله. وإذ قد اختلفت الأقوال فلا حجة في أيٍ منها كما ذكرته في المقدمة الثالثة، ووجب الترجيح بينها كما ذكرته في المقدمة الخامسة. وبالترجيح نجد أن قول من لم يشترط الجحد أو الاستحلال للحكم بالكفر الوارد في الآية هو الصواب. أهـ (2/ 972) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت