الصفحة 35 من 146

ويذكر رحمه الله في هذا الباب، كيف رضت قلوب الناس، واشتدت الغفلة عن الآخرة فيذكر أسباب ذلك ومنها مرض العلماء واعتلالهم وهم أطباء القلوب والعقول ثم أردف يقول: إن الأطباء هم العلماء وقد استولى عليهم المرض، فالطبيب المريض قلما يلتفت إلى علاجه، فلهذا صار الداء عضالًا والمرض مزمنًا.

ثم يرد حجة الإسلام فساد الحكام إلى فساد العلماء، وذلك حينما يترك العلماء واجبهم نحو الحكام.

فيقول: ( ... فهذه كانت سيرة العلماء وعادتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقلة مبالاتهم بسطوة السلاطين ولكنهم اتكلوا على فضل الله تعالى أن يحرسهم، ورضوا بحكم الله تعالى أن يرزقهم الشهادة، فلما أخلصوا لله النية أثر كلامهم في القلوب القاسية فلينها وأزال قساوتها، وأما الآن فقد قيدت الأطماع ألسن العلماء فسكتوا، وإن تكلموا لم تساعد أقوالهم أحوالهم فلم ينجحوا، ولو صدقوا وقصدوا حق العلم لأفلحوا ففساد الرعايا بفساد الملوك وفساد الملوك بفساد العلماء. وفساد العلماء باستيلاء حب المال والجاه، ومن استولى عليه حب الدنيا فلم يقدر على الحسبة على الأراذل فكيف على الملوك والأكابر، والله المستعان على كل حال [1] .

هذا قوله في علماء زمانه فما يقول في علماء هذا الزمان؟ -فتأمل يا أخي فإذا كان هذا حال العلماء المفسدين دنيا وأخرى. فما حال الحكام الظلمة الذين عاثوا في البلاد الفساد.

هذا ما يخبرنا به رب العالمين وسيد المرسلين، قال تعالى (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) [2] وقال: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) [3] وقوله: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ، مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء) [4] .

وقال سيدنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (أيما راع غش رعيته فهو في النار) [5] وقال: (من استرعاه الله رعية ثم لم يحطها بالنصيحة إلا حرم الله عليه الجنة) [6] .

وهنا لا بد من القول، إن المقياس والميزان لمعرفة كون العالم فاسدًا أم صالحًا، وكون الحاكم ظالمًا أم عادلًا، هو الإسلام لا شيء غيره، ولا شيء معه.

فأعمال العلماء وأفعال الحكام وتصرفاتهم وسلوكهم في الحياة ومع الناس وتحديد موقف بعضهم لبعض كل ذلك يوزن بميزان الإسلام، ويقاس بمقياس الشرع، فبقدر تمسكهم بالإسلام وتطبيقهم له وحملهم لدعوته، ورعايتهم لأحكامه وخدمتهم لأتباعه يكون الصلاح ويكون العدل، وبعكسه يظهر الفساد ويسود الظلم، وإن كان العالم فيلسوفًا والحاكم عبقريًا، قال تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [7] وقال صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) [8] .

(1) [ص92 جـ7 إحياء علوم الدين] .

(2) آية 44 الأعراف.

(3) آية 227 الشعراء.

(4) الآيتان 43،42 ابراهيم.

(5) [رواه الطبراني بهذا اللفظ وشواهده في الصحيحين] .

(6) متفق عليه بألفاظ متقاربة.

(7) آية 85 آل عمران.

(8) أخرجه مسلم بهذا اللفظ، وفي رواية: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (متفق عليه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت