الصفحة 58 من 146

فقال لأبي حنيفة: ما تقول أنت يا شيخ ألسنا في خلافة نبوة وبيت أمان؟ فأجاب أنهم شرطوا لك ما لا يملكون (وهو استحلال دمائهم) وشرطت عليهم ما ليس لك، لأن دم المسلم لا يحل إلا بأحد معان ثلاث [1] فإن أخذتهم أخذت بما لا يحل، وشرط الله أحق أن توفي، فأمرهم المنصور بالقيام فتفرقوا ثم دعاه وحده وقال يا شيخ القول ما قلت انصرف إلى بلادك ولا تفت الناس بما هو شين على إمامك فتبسط أيدي الخوارج [2] .

امتنع المنصور بحكم الشرع الذي نطق به أبو حنيفة ولو أنه لم يوافق هوى نفسه ولم يستجب لرغبته الخاصة، إن الشرع فوق كل الميول والأهواء قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به) [3] .

دخل أحدهم على سليمان بن عبد الملك، فقال له سليمان تكلم: فقال يا أمير المؤمنين إني مكلمك بكلام فاحتمله وإن كرهته، فإن وراءه ما تحب إن قبلته، فقال: إنا لنجود بسعة الاحتمال على من لا نرجو نصحه، ولا نأمن غشه، فكيف بمن نأمن غشه ونرجو نصحه، قال: يا أمير المؤمنين، إنه تكنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم وابتاعوا دنياهم بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، خافوك في الله تعالى ولم يخافوا الله فيك، حرب الآخرة سلم الدنيا، فلا تأمنهم على من ائتمنك الله عليه، فإنهم لم يألوا في الأمانة تضيعًا وفي الأمة خسفًا وعسفًا، وأنت مسؤول عما اجترحوا، وليس بمسؤولين عما اجترحت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإن أعظم الناس غبنًا من باع آخرته بدنيا غيره، فقال له سليمان: أما إنك قد سللت لسانك وهو أقطع من سيفك، قال: أجل يا أمير المؤمنين ولكن لا عليك [4] .

نعم أجوبة العلماء للحكام هي للحكام أنفسهم لا عليهم وكيف لا وهي تعين درب النجاة من الوقوع في الأخطاء، والحاكم المسلم يعلم أن كل خطأ جالب للإثم يسيء إلى الرعية التي ولته أمرها ليحسن الرعاية بها.

(1) [يشير الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى إلى قوله عليه الصلاة والسلام:"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة"رواه البخاري ومسلم] .

(2) [ص17 جـ2 المناقب لابن الجوزي] .

(3) أخرجه الخطيب البغدادي في التاريخ: 4/ 369، والبغوي في شرح السنة برقم: 104، وابن أبي عاصم في السنة برقم: 15، وابن بطة في الإبانة: 1/ 387، وقال النووي في الأربعين: حديث حسن صحيح، رويناه في كتاب الحجَّة بإسناد صحيح. أهـ وقال ابن رجب الحنبلي: وقد خرج هذا الحديث الحافظ أبو نعيم في كتاب"الأربعين"وشرط في أولها أن تكون من صحاح الأخبار وجياد الآثار مما أجمع الناقلون على عدالة ناقليه. أهـ (جامع العلوم والحكم ص508) .

(4) [ص122 جـ5 الإحياء] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت