أما الطريق الثاني الذي ذكره الإمام الغزالي في سلوك العلماء لجواب الحكام إذا سألوهم أو طلبوا منهم الكلام فهو:
التلطف بالجواب من غير نفاق، والتعريض بالسائلين من غير جبن والتعريف بأحكام الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، وإن كان الجواب لا يوافق أهواء الحكام أو لا يحقق رغباتهم.
وهذا الطريق قد سلكه العلماء قديمًا وحديثًا، وقد امتلأ تأريخهم الحافل بمثل هذه الحوادث وقد بلغت من الكثرة ما جعلني أختار منها ما أراه مناسبًا، يثير العظة ويؤخذ منه العبرة، وهذا ما نقصده ونسعى إليه.
قال مقاتل بن سليمان، دخلت على حماد بن سلمة، فإذا ليس في البيت إلا حصير وهو جالس وفي يده مصحف يقرأ فيه، وجراب فيه علمه، ومطهرة يتوضأ منها، فبينما أنا جالس إذا دق الباب، فقال حماد: يا حبيبة اخرجي فانظري من هذا؟ .. فقالت رسول محمد بن سليمان إلى حماد بن سلمة، فأذن له فدخل، فقال بعد أن سلم أما بعد: فصبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته، وقعت مسألة فأتنا نسألك عنها والسلام. فقال: يا حبيبة هلم الدواة ثم قال لي: اقلب كتابه. واكتب أما بعد: فأنت صبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته، إنا أدركنا العلماء وهم لا يأتون أحدًا فإن وقعت لك مسألة فأتنا وسل ما بدا لك، وإن أتيتني فلا تأتني بخيلك ورجلك فلا أنصحك ولا أنصح إلا نفسي والسلام.
فبينما أنا جالس إذ دق الباب فقال: يا حبيبة أخرجي فانظري من هذا؟ قالت محمد بن سليمان قال: قولي له يدخل وحده، فدخل وجلس بين يديه ثم ابتدأ فقال: مالي إذا نظرت إليك امتلأت منك رعبًا.
قال حماد: حدثني ثابت البناني قال سمعت أنسًا يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن العالِم إذا أراد بعلمه وجه الله هابه كل شيء وإذا أراد به أن يكنز به الكنوز هاب من كل شيء) [1] ، فقال ما تقول رحمك الله في رجل له ابنان وهو عن أحدهما أرضى، فأراد أن يجعل له في حياته ثلثي ماله؟ فقال حماد: لا يفعل رحمك الله، فإني سمعت أنسًا يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا أراد الله أن يعذب عبدًا من عباده في حياته وفقه إلى وصية جائرة) [2] فعرض عليه مالًا فلم يقبل وخرج. [3]
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم الأمراء على أبواب العلماء وبئس العلماء على أبواب الأمراء) [4] فتأمل يا أخي هذا الحديث النبوي الكريم.
انتفض أهل الموصل على أبي جعفر المنصور، وقد اشترط المنصور عليهم أنهم إن انتفضوا تحل دماؤهم له، فجمع المنصور الفقهاء وفيهم الإمام أبو حنيفة فقال: أليس صحيحًا أنه عليه السلام قال: (المؤمنون عند شروطهم) [5] وأهل الموصل قد شرطوا ألا يخرجوا عليّ وقد خرجوا على عاملي وقد حلت لي دماؤهم، فقال رجل منهم، يدك مبسوطة عليهم وقولك مقبول فيهم، فإن عفوت فأنت أهل للعفو وإن عاقبت فبما يستحقون.
(1) "هذا معضل، وروى أبو الشيخ ابن حبان في كتاب الثواب من حديث واثلة بن الأسقع"من خاف الله خوف الله منه كل شيء ومن لم يخف الله خوفه الله من كل شيء"وللعقيلي في الضعفاء نحوه من حديث أبي هريرة وكلاهما منكر". أهـ (انظر تخريج أحاديث الإحياء 2/ 115) .
(2) انظر"كنز العمال"16/ 884.
(3) أخرج القصة الخطيب وابن عساكر.
(4) أخرجه ابن ماجة بنحوه، وضعفه الحافظ العراقي في تذيله على الإحياء 1/ 95.
(5) رواه البخاري في صحيحه معلقًا وجزم به.