يا هارون هجمت على بيت مال المسلمين بغير رضاهم، هل رضي بفعلك المؤلفة قلوبهم، والعاملون عليها في أرض الله تعالى، والمجاهدون في سبيل الله وابن السبيل أم رضي بذلك حملة القرآن وأهل العلم والأرامل والأيتام، أم رضي بذلك خلق من رعيتك، فشد يا هارون مئزرك وأعد للمسألة جوابًا، وللبلاء جلبابًا، واعلم أنك ستقف بين يدي الحكم العدل، فقد رزئت في نفسك إذ سلبت حلاوة العلم والزهد ولذيذ القرآن ومجالسة الأخيار، ورضيت لنفسك أن تكون ظالمًا وللظالمين إمامًا إلى أن يقول: واعلم يا هارون أني قد نصحتك وما أبغيت في النصح غاية، فاتق الله يا هارون في رعيتك واحفظ محمدًا صلى الله عليه وسلم في أمته، وأحسن الخلافة عليهم.
واعلم أن هذا الأمر لو بقي لغيرك لم يصل إليك، وهو صائر إلى غيرك، وكذا الدنيا تنتقل بأهلها واحدًا بعد واحد، فمنهم من تزود زادا نفعه، ومنهم من خسر دنياه وآخرته وإني أحسبك يا هارون ممن خسر دنياه وآخرته، فإياك إياك أن تكتب لي كتابًا بعد هذا فلا أجيبك عنه والسلام [1] "."
تلك -يا أخي الكريم- صور واقعة وأحداث شاخصة، سجلها تاريخ علماء أمتك المجيدة بمداد من نور وإيمان، نور يضيء الطريق المدلهم الحالك، وإيمان يملأ القلوب بالخوف الشديد من الله وحده ولنيل رضوانه، اتبعها السادة العلماء، سالكين سلوك الغلظة في الجواب على أسئلة الحكام، وإنذارهم وتوعدهم بصريح العبارة وشدة الكلام، لإيقاظ الغافلين منهم عن ذكر الله، الآمنين مكره العظيم، ولإفهامهم أن في الدنيا رجالًا لا يخافون بطشهم، ولا يرهبون سلطانهم، وأنهم وجدوا من أجل الإسلام وحده.
أما الحكام فقد استسلموا لعزة الإسلام وانقادوا طائعين أو مكرهين لأجوبة العلماء لأنهم يعرفون حق العلم وسلطانه ويؤمنون بوجوب توقير العلماء.
(1) [88و89 جـ7 الإحياء، وإتمامًا لفائدة القارئ الكريم، فإني أثبت رد الفعل الذي حصل لرشيد حين بلوغه كتاب سفيان رحمه الله تعالى وبه يتجلى موقف الحكام من العلماء الذين نذروا أنفسهم للإسلام، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، في أجوبتهم التي لا تعرف النفاق. ولا الخوف من الحاكم مهما أوتي من قوة وسلطان. قال عباد: فألقى إلى الكتاب منشورًا غير مطوي ولا مختوم، فأخذته وأقبلت إلى سوق الكوفة، وقد وقعت الموعظة من قلبي، فناديت يا أهل الكوفة فأجابوني، فقلت لهم: يا قوم من يشتري رجلًا هرب من الله إلى الله، فأقبلوا إلي بالدنانير والدراهم، فقلت لا حاجة لي في المال، ولكن جبة صوف .. وعباءة قطوانية قال فأتيت بذلك، ونزعت ما كان علي من اللباس الذي كنت ألبسه مع أمير المؤمنين، وأقبلت أقود البرذون -الدابة التي كان يركبها- وعليه السلاح الذي كنت أحمله، حتى أتيت أمير المؤمنين راجلًا فتهزأ بي من كان على باب الخليفة، ثم استؤذن لي، فلما دخلت عليه وبصر بي على تلك الحالة، قام وقعد، ثم قام قائمًا، ويدعو بالويل والحزن ويقول انتفع الرسول وخاب المرسل، ما لي وللدنيا ما لي والملك يزول عني سريعًا ثم ألقيت الكتاب إليه منشورًا كما دفع إليه فأقبل هارون يقرؤه ودموعه تنحدر من عينيه، ويقرأ ويشهق، قال بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين لقد اجترأ عليك سفيان فلو وجهت إليه فأثقلته بالحديد، وضيقت عليه السجن، كنت تجعله عبرة لغيره (تلك مقالة بطانة السوء في كل زمان) فقال هارون: اتركونا يا عبيد الدنيا، المغرور من غررتموه والشقي من أهلكتموه وإن سفيان أمة وحده، فاتركوا سفيان وشأنه اهـ. وتلك أجوبة المؤمنين ومقالة الصادقين الذين يخشون الله والدار الآخرة ولو جوبهوا بكلام تضيق منه صدور الآخرين .. ؟ وسمعوا حديثًا تأبى آذان من أعرضوا عن ذكر الله سماعه والإنصات إليه] .