أما بعد، يا أخي قد علمت أن الله تبارك وتعالى، آخى بين المؤمنين، وجعل ذلك فيه وله، واعلم أني قد آخيتك مؤاخاة لم أصرم بها حبك ولم أقطع بها ودك وإني منطو لك على أفضل المحبة والإرادة، ولولا هذه القلادة التي قلدنيها الله لأتيتك ولو حبوا، لما أجد لك في قلبي من المحبة، واعلم يا أبا عبد الله إنه ما بقي من إخواني وإخوانك أحد إلا وقد زارني وهناني بما صرت إليه، وقد فتحت بيوت الأموال وأعطيتهم من الجوائز السنية ما فرحت به نفسي، وقرت به عيني، وإني استبطأتك فلم تأتني، وقد كتبت إليك كتابًا شوقًا مني إليك شديدًا، وقد علمت يا أبا عبد الله ما جاء في فضل المؤمن وزيارته ومواصلته، فإذا ورد عليك كتابي فالعجل العجل". فلما كتب الكتاب التفت إلى من عنده، فإذا كلهم يعرفون سفيان الثوري وخشونته، فقال: عليّ برجل من الباب، فأدخل عليه رجل يقال له عباد الطالقاني، فقال: يا عباد خذ كتابي هذا فانطلق به إلى الكوفة، فإذا دخلتها فسل عن قبيلة بني ثور، ثم سل عن سفيان الثوري، فإذا رأيته فألق كتابي هذا إليه، وعِ بسمعك وقلبك جميع ما يقول، فأحص عليه دقيق أمره وجليله لتخبرني به، فأخذ عباد الكتاب وانطلق به حتى ورد الكوفة فسأل عن القبيلة فأرشد إليها، ثم سأل عن سفيان، فقيل له: هو في المسجد. قال عباد: فأقبلت إلى المسجد فلما رآني قام قائمًا وقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وأعوذ بك اللهم من طارق يطرق إلا بخير، قال عباد: فوقعت الكلمة في قلبي فخرجت، فلما رآني نزلت بباب المسجد قام يصلي، ولم يكن وقت صلاة، فربطت دابتي بباب المسجد ودخلت، فإذا جلساؤه قد نكسوا رؤوسهم، كأنهم لصوص قد ورد عليهم السلطان فهم خائفون من عقوبته، فسلمت فما رفع أحد إليّ رأسه، وردوا السلام علي، فبقيت واقفًا فما منهم أحد يعرض عليّ الجلوس وقد علاني من هيبتهم الرعدة، ومددت عيني إليهم، فقلت إن المصلي هو سفيان، فرميت بالكتاب إليه، فلما رأى الكتاب ارتعد وتباعد منه، كأنه حية عرضت له في محرابه، فرجع وسجد وسلم وأدخل يده في كمه ولفها بعباءته وأخذه فقلبه بيده، ثم رماه من كان خلفه، وقال: يأخذه بعضكم يقرؤه، فإني أستغفر الله أن أمسّ شيئًا مسه ظالم بيده، قال عباد فأخذه بعضهم فحله كأنه خائف من فم حية تنهشه ثم فضه وقرأه وأقبل سفيان يتبسم تبسم المتعجب، فلما فرغ من قراءته، قال: اقلبوه واكتبوا إلى الظالم في ظهر كتابه. فقيل له: يا أبا عبد الله إنه خليفة، فلو كتبت إليه في قرطاس نقي، فقال: اكتبوا إلى الظالم في ظهر كتابه، فإن كان اكتسبه من حلال فسوف يجزى به، وإن كان اكتسبه من حرام فسوف يصلى به، ولا يبقى شيء مسه ظالم عندنا فيفسد علينا ديننا، فقيل له: ما نكتب؟ قال: اكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم من العبد المذنب سفيان بن سعيد بن المنذر الثوري إلى العبد المغرور بالآمال، هارون الرشيد الذي سلب حلاوة الإيمان."
أما بعد: فإني قد كتبت إليك أعرفك أني قد صرمت حبلك، وقطعت ودك وقلبت موضعك، فإنك قد جعلتني شاهدًا عليك بإقرارك على نفسك في كتابك، بما هجمت به على بيت مال المسلمين، فأنفقته في غير حقه، وأنفذته في غير حكمه، ثم لم ترض بما فعلته وأنت ناء عني حتى كتبت إلي تشهدني على نفسك، أما أني قد شهدت عليك أنا وإخواني الذين شهدوا قراءة كتابك، وسنؤدي الشهادة عليك غدًا بين يدي الله تعالى.