لما اشتدت الجفوة بين الشيخ منذر بن سعيد والخليفة عبد الرحمن الناصر نتيجة محاسبة المنذر له في إسرافه على بناء الزهراء كما ذكرنا في الفصل السابق، أراد ولده الحكم أن يزبل ما بينهما فاعتذر له عند الخليفة فقال: يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح وما أراد إلا خيرًا، لو رأى ما أنفقت وحسن تلك البنية لعذرك: ويريد بالبنية هنا القبة التي بناها الناصر بالزهراء واتخذ قراميدها من فضة وبعضها مغشى بالذهب وجعل سقفها نوعين صفراء فاقعة إلى بيضاء ناصعة يستلب الأبصار شعاعها -فلما قال له ولده ذلك، أمر ففرشت بفرش الديباج، وجلس فيها لأهل دولته، ثم قال لقرابته ووزرائه، أرأيتم أم سمعتم ملكًا كان قبلي صنع مثل ما صنعت؟ فقالوا لا والله يا أمير المؤمنين، وإنك الأوحد في شأنك، فبينما هم على ذلك، إذ دخل منذر بن سعيد ناكسًا رأسه، فلما أخذ مجلسه قال له ما قال لقرابته، فأقبلت دموع المنذر تنحد على لحيته -لسوء ما رأى- وقال: والله يا أمير المؤمنين، ما ظننت أن الشيطان يبلغ منك هذا المبلغ، ولا أن تمكنه من قيادتك هذا التمكن، مع ما أتاك الله تعالى وفضلك به على المسلمين حتى ينزلك منازل الكافرين، فاقشعر الخليفة من قوله وقال له: انظر ما تقول كيف أنزلني الله منازلهم، فقال نعم: أليس الله تعالى يقول: (وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ) [1] فوجم الخليفة ونكس رأسه مليًا وجعلت دموعه تنحدر على لحيته ثم أقبل على المنذر، وقال له جزاك الله خيرًا وعن الدين خيرًا فالذي قلت هو الحق، ثم قام من مجلسه وأمر بنقض سقف القبة وأعاد قراميدها ترابًا على صفة غيرها [2] وهكذا أرشد هذا الجواب الخليفة ولو كان الجواب مؤذيًا حقًا، لأن الناصر من الذين يعتقدون بالإسلام ويطبقونه ومن المؤمنين بقوله تعالى: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) [3] .
لما ولي الرشيد الخلافة، زاره بعض العلماء مهنئين له، بما صار إليه من أمر الخلافة إلا أن سفيان الثوري كبير العلماء لم يزره، وكان هارون مؤاخيًا له من قبل ذلك، ويجالسه ويستمع إليه، فاشتاق هارون إلى زيارة سفيان، ليخلو به ويحدثه، ولكن سفيان أعرض عن ذلك، فاشتد ذلك على هارون، فكتب إليه كتابًا يقول فيه:
"بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى أخيه سفيان بن سعيد بن المنذر الثوري."
(1) الآية 33 الزخرف.
(2) [مقال، بين خليفة وقاض في مجلة الأزهر لشهر رمضان سنة 1371 للأستاذ عبد الحميد العبادي] .
(3) آية 18 الزمر.