تلك من إساءات الحكام في تطبيق الإسلام، إن البيعة لا تؤخذ من الأمة بالقوة أو الإكراه، ولا بضرب السياط على الظهور، ولا باعتقال وحبس المعرضين عنها، وإنما تؤخذ عن رضا الأمة وموافقتها، لأن البيعة هي الطريقة الشرعية في نصب الحاكم وهي طريقة التعبير عن رضا الأمة عن الحاكم المنتخب فإذا قرر هذا شرعًا ومثله قد قرر أن الحاكم هو نائب عن الأمة في تنفيذ الإسلام ووكيل عنها في الحكم، فكيف يباح استعمال القوة بأشكالها وألوانها في سبيل إقرار هذه البيعة لتحقيق شرعية النيابة والوكالة.
(اللهم انصرني من هشام) تلك دعوة مظلوم على ظالم. ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب. فاستجاب الله تعالى هذه الدعوة، وأزال سلطان هشام ومن ولاه. فليحذر الظالمون من دعوة المظلومين، بذاك نطق الصادق الصدوق صلى الله عليه وسلم [1] .
ولكن هل انتهت محنة الإمام الورع؟ لا لا. فقد جاءته محنة أخرى، فصبر عليها كما صبر على أختها من قبل ..
( .. استعمل عبد الله بن الزبير جابر الأسود الزهري على المدينة المنورة فدعا الناس إلى البيعة لابن الزبير فقال سعيد بن المسيب لا حتى يجتمع الناس فضرب ستين سوطًا فبلغ بذلك ابن الزبير فكتب إلى جابر يلومه ويقول ما لنا ولسعيد دعه [2] ..
(وكان جابر هذا قد تزوج الخامسة قبل أن تنقضي عدة الرابعة، فلما ضرب سعيد بن المسيب صاح به سعيد والسياط تأخذه:(والله ما ربَّعت على كتاب الله، يقول الله"فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ"وإنك تزوجت الخامسة قبل انقضاء عدة الرابعة، وما هي إلا ليال فاصنع ما بدا لك فسوف يأتيك ما تكره) [3] .
وقد صدق سعيد، فما مكث جابر إلا يسيرًا حتى قتل ابن الزبير، وكانت نهاية جابر السوداء المظلمة، وتلك عاقبة الظالمين.
وهكذا عاش سعيد ممتحنًا في دينه وهكذا شأن المتقين الأبرار، رحم الله سعيدًا فقد جاد بنفسه في سبيل الحق وإقامة العدل فلم تزعزع إيمانه المحن بل زادته إيمانًا ويقينًا بأن للدين صولة وللإسلام قوة ولا غرو في ذلك لأنه من العلماء الرجال ...
أعلمت أخي القارئ أن كل (جرم) سيد التابعين ابن المسيب في نظر عبد الملك بن مروان أنه لم يبايع ولي عهده، ولأنه امتنع عنها لوجود نص شرعي يحفظه، فهو حجة عليه يوم القيامة.
وتلك إساءة عبد الملك ومظلمة سجلها عليه التاريخ وأنكرتها عليه الأمة وغضب عليه رب العالمين، ومن ينجو من عقاب هذه المظالم، وسيقال له يوم القيامة:"وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ" [4] نعم سيسأل كل حاكم عما اجترحه من سيئات ومظالم في حق أمته، ولو كان (عمومًا) مطبقًا للإسلام منفذًا لأحكام القرآن حاميًا للثغور مدافعًا عن بيضة المسلمين كعبد الملك.
وكيف تكون المسؤولية والمحاسبة حين لا يكون الحكام كذلك؟ لا شك أن المسؤولية اليوم أعظم والمحاسبة يجب أن تكون أشد، إذ حكام الأمس الذين ذكرتهم في هذا الكتاب كالملائكة بالنسبة لحكام اليوم!!
(مات سعيد سنة إحدى وتسعين هـ. وله من العمر 74 عامًا) .
(1) عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب) (متفق عليه) .
(2) [ص122 جـ5 الطبقات الكبرى] .
(3) الطبقات لابن سعد 7/ 123.
(4) آية 24 من سورة الصافات.